< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah070
Al-Ma'aarij (70)
The Ascending Stairways, makkah, 44 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَلِذَلِكَ لَمْ يُنَوَّنْ، وقَوْلُهُ:﴿نَزّاعَةً﴾ مَرْفُوعَةٌ، وفي سَبَبِ هَذا الِارْتِفاعِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ في أنَّها عِمادٌ، أوْ تَجْعَلَ لَظى اسْمَ إنَّ، ونَزّاعَةً خَبَرَ إنَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَظى نَزّاعَةٌ.
والثّانِي: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مُبْتَدَأً، ونَزّاعَةً خَبَرًا، وتَجْعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ القِصَّةِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ القِصَّةَ لَظى نَزّاعَةٌ لِلشَّوى.
والثّالِثُ: أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى وهي نَزّاعَةٌ لِلشَّوى، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ
صفحة ١١٣
فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّها حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَما قالَ: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾[فاطِرٍ: ٣١] وكَما يَقُولُ: أنا زَيْدٌ مَعْرُوفًا، اعْتَرَضَ أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ عَلى هَذا وقالَ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، فَإنْ قُلْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لَظى﴾ مَعْنى التَّلَظِّي والتَّلَهُّبِ، فَهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ لَظى اسْمُ عَلَمٍ لِماهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، والماهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْيِيدُها بِالأحْوالِ، إنَّما الَّذِي يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالأحْوالِ هو الأفْعالُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَأيْتُ رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَظى اسْمًا لِنارٍ تَتَلَظّى تَلَظِّيًا شَدِيدًا، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ ناصِبًا، لِقَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً﴾ .
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً عَلى الِاخْتِصاصِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى أعْنِيها نَزّاعَةً لِلشَّوى، ولَمْ تُمْنَعْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿لِلشَّوى﴾ الأطْرافُ، وهي اليَدانِ والرِّجْلانِ، ويُقالُ لِلرّامِي إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ أشْوى، أيْ أصابَ الشَّوى، والشَّوى أيْضًا جِلْدُ الرَّأْسِ، واحِدَتُها شَواةٌ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ
هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: تَنْزِعُ النّارُ الهامَةَ والأطْرافَ فَلا تَتْرُكُ لَحْمًا ولا جِلْدًا إلّا أحْرَقَتْهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: العَصَبُ والعَقِبُ ولَحْمُ السّاقَيْنِ واليَدَيْنِ، وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: لِمَكارِمِ وجْهِ بَنِي آدَمَ. واعْلَمْ أنَّ النّارَ إذا أفْنَتْ هَذِهِ الأعْضاءَ، فاللَّهُ تَعالى يُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى، كَما قالَ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾[النِّساءِ: ٥٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ لَظى كَيْفَ تَدْعُو الكافِرَ، فَذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها تَدْعُوهم بِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ ؟ فَإنْ لَمْ تُجِبْكَ جُؤارًا، أجابَتْكَ اعْتِبارًا. فَهَهُنا لَمّا كانَ مَرْجِعُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ إلى زاوِيَةٍ مِن زَوايا جَهَنَّمَ، كَأنَّ تِلْكَ المَواضِعَ تَدْعُوهم وتُحْضِرُهم.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ الكَلامَ في جِرْمِ النّارِ حَتّى تَقُولَ صَرِيحًا: إلَيَّ يا كافِرُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ التِقاطَ الحَبِّ.
وثالِثُها: المُرادُ أنَّ زَبانِيَةَ النّارِ يَدْعُونَ فَأُضِيفَ ذَلِكَ الدُّعاءُ إلى النّارِ بِحَذْفِ المُضافِ.
ورابِعُها: تَدْعُو تُهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ أيْ أهْلَكَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي مَن أدْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ ﴿وجَمَعَ﴾ المالَ ﴿فَأوْعى﴾ أيْ: جَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ، ولَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ والحُقُوقَ الواجِبَةَ فِيها فَقَوْلُهُ: ﴿أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ إشارَةٌ إلى حُبِّ الدُّنْيا، فَجَمَعَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ، وأوْعى إشارَةٌ إلى الأمَلِ، ولا شَكَّ أنَّ مَجامِعَ آفاتِ الدِّينِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالإنْسانِ هَهُنا الكافِرُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عَلى عُمُومِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ اسْتَثْنى مِنهُ إلّا المُصَلِّينَ.
صفحة ١١٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ هَلَعُ الرَّجُلُ يَهْلَعُ هَلَعًا وهَلاعًا فَهو هالِعٌ وهَلُوعٌ، وهو شِدَّةُ الحِرْصِ وقِلَّةُ الصَّبْرِ، يُقالُ: جاعَ فَهَلَعَ، وقالَ الفَرّاءُ: الهَلُوعُ الضَّجُورُ، وقالَ