< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الآيَةِ بِعَذابٍ واقِعٍ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: لَيْسَ لِذَلِكَ العَذابِ الصّادِرِ مِنَ اللَّهِ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ، فَإنَّهُ إذا أوْجَبَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ وقَوْلُهُ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ المَعارِجُ: جَمْعُ مِعْرَجٍ وهو المَصْعَدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾[الزُّخْرُفِ: ٣٣] والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ ذِي المَعارِجِ، أيْ: ذِي السَّماواتِ، وسَمّاها مَعارِجَ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْرُجُونَ فِيها.

وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: ذِي الفَواضِلِ والنِّعَمِ وذَلِكَ لِأنَّ لِأيادِيهِ ووُجُوهِ إنْعامِهِ مَراتِبَ، وهي تَصِلُ إلى النّاسِ عَلى مَراتِبَ مُخْتَلِفَةٍ.

وثالِثُها: أنَّ المَعارِجَ هي الدَّرَجاتُ الَّتِي يُعْطِيها أوْلِياءَهُ في الجَنَّةِ.

وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ هَذِهِ السَّماواتِ كَما أنَّها مُتَفاوِتَةٌ في الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ والكِبَرِ والصِّغَرِ، فَكَذا الأرْواحُ المَلَكِيَّةُ مُخْتَلِفَةٌ في القُوَّةِ والضَّعْفِ والكَمالِ والنَّقْصِ، وكَثْرَةِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وقُوَّتِها وشِدَّةِ القُوَّةِ عَلى تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وضَعْفِ تِلْكَ القُوَّةِ، ولَعَلَّ نُورَ إنْعامِ اللَّهِ وأثَرَ فَيْضِ رَحْمَتِهِ لا يَصِلُ إلى هَذا العالَمِ بِواسِطَةِ تِلْكَ الأرْواحِ، إمّا عَلى سَبِيلِ العادَةِ أوْ لا كَذَلِكَ عَلى ما قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾[الذّارِياتِ: ٤]، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾[النّازِعاتِ: ٥] فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ الإشارَةُ إلى تِلْكَ الأرْواحِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي كالمَصاعِدِ لِارْتِفاعِ مَراتِبِ الحاجاتِ مِن هَذا العالَمِ إلَيْها، وكالمَنازِلِ لِنُزُولِ أثَرِ الرَّحْمَةِ مِن ذَلِكَ العالَمِ إلى هَهُنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى في القُرْآنِ أنَّهُ مَتى ذَكَرَ المَلائِكَةَ في مَعْرِضِ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ أفْرَدَ الرُّوحَ بَعْدَهم بِالذِّكْرِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾[النَّبَأِ: ٣٨] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرُّوحَ أعْظَمُ [مِنَ] المَلائِكَةِ قَدْرًا، ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عِنْدَ العُرُوجِ

صفحة ١٠٩

المَلائِكَةَ أوَّلًا والرُّوحَ ثانِيًا، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ عِنْدَ القِيامِ الرُّوحَ أوَّلًا والمَلائِكَةَ ثانِيًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الرُّوحِ أوَّلًا في دَرَجَةِ النُّزُولِ وآخِرًا في دَرَجَةِ الصُّعُودِ، وعِنْدَ هَذا قالَ بَعْضُ المُكاشِفِينَ: إنَّ الرُّوحَ نُورٌ عَظِيمٌ هو أقْرَبُ الأنْوارِ إلى جَلالِ اللَّهِ، ومِنهُ تَتَشَعَّبُ أرْواحُ سائِرِ المَلائِكَةِ والبَشَرِ في آخِرِ دَرَجاتِ مَنازِلِ الأرْواحِ، وبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَعارِجُ مَراتِبِ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ ومَدارِجُ مَنازِلِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ، ولا يَعْلَمُ كَمِّيَّتَها إلّا اللَّهُ، وأمّا ظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ وهو أنَّ الرُّوحَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ قَرَّرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ في مَكانٍ، إمّا في العَرْشِ أوْ فَوْقَهُ، بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ ذُو المَعارِجِ وهو إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ في جِهَةِ فَوْقٍ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عُرُوجَ المَلائِكَةِ وصُعُودَهم إلَيْهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى في جِهَةِ فَوْقٍ (والجَوابُ) لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى امْتِناعِ كَوْنِهِ في المَكانِ والجِهَةِ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَأمّا وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ ”ذُو المَعارِجِ“ فَقَدْ ذَكَرْنا الوُجُوهَ فِيهِ، وأمّا حَرْفُ إلى في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ المَكانَ، بَلِ المُرادُ انْتِهاءُ الأُمُورِ إلى مُرادِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾[هُودٍ: ١٢٣] المُرادُ الِانْتِهاءُ إلى مَوْضِعِ العِزِّ والكَرامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾[الصّافّاتِ: ٩٩]ويَكُونُ هَذا