< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ولِجِبْرِيلَ ولِمُحَمَّدٍ، وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ (والجَوابُ): أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذِي رَتَّبَهُ ونَظَّمَهُ، وهو كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ، وهو كَلامُ مُحَمَّدٍ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَهُ لِلْخَلْقِ، ودَعا النّاسَ إلى الإيمانِ بِهِ، وجَعَلَهُ حُجَّةً لِنُبُوَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ: تُؤْمِنُونَ وتَذَكَّرُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ عَلى الخِطابِ إلّا ابْنَ كَثِيرٍ،

صفحة ١٠٤

فَإنَّهُ قَرَأهُما بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، فَمَن قَرَأ عَلى الخِطابِ، فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ومَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الِالتِفاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ لَغْوٌ وهي مُؤَكِّدَةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مِنَ اللَّهِ، والمَعْنى لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا، والعَرَبُ يَقُولُونَ: قَلَّما يَأْتِينا يُرِيدُونَ لا يَأْتِينا.

الثّانِي: أنَّهم قَدْ يُؤْمِنُونَ في قُلُوبِهِمْ، إلّا أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنْهُ سَرِيعًا ولا يُتِمُّونَ الِاسْتِدْلالَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٨] إلّا أنَّهُ في آخِرِ الأمْرِ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٢٤] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في نَفْيِ الشّاعِرِيَّةِ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ وفي نَفْيِ الكاهِنِيَّةِ ﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ هَذا القُرْآنُ قَوْلًا مِن رَجُلٍ شاعِرٍ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مُبايِنٌ لِصُنُوفِ الشِّعْرِ كُلِّها إلّا أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ، أيْ: لا تَقْصِدُونَ الإيمانَ، فَلِذَلِكَ تُعْرِضُونَ عَنِ التَّدَبُّرِ، ولَوْ قَصَدْتُمُ الإيمانَ لَعَلِمْتُمْ كَذِبَ قَوْلِكم: إنَّهُ شاعِرٌ، لِمُفارَقَةِ هَذا التَّرْكِيبِ ضُرُوبَ الشِّعْرِ، ولا أيْضًا بِقَوْلِ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ بِسَبِ الشَّياطِينِ وشَتْمِهِمْ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإلْهامِ الشَّياطِينِ، إلّا أنَّكم لا تَتَذَكَّرُونَ كَيْفِيَّةَ نَظْمِ القُرْآنِ، واشْتِمالَهُ عَلى شَتْمِ الشَّياطِينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَقُولُونَ: إنَّهُ مِن بابِ الكِهانَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الشُّعَراءِ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾[الشُّعَراءِ: ١٩٣] فَهو كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيلُهُ، وهو قَوْلُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ بِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ أنْذَرَ الخَلْقَ بِهِ، فَهَهُنا أيْضًا لَمّا قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى يَزُولَ الإشْكالُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا، أيْ نَزَلَ تَنْزِيلًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ قُرِئَ ”ولَوْ تُقُوِّلَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، التَّقَوُّلُ افْتِعالُ القَوْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا مِنَ المُفْتَعِلِ، وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، والمَعْنى ولَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ لَأخَذْنا بِيَدِهِ، ثُمَّ لَضَرَبْنا رَقَبَتَهُ، وهَذا ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم لا يُمْهِلُونَهُ، بَلْ يَضْرِبُونَ رَقَبَتَهُ في الحالِ، وإنَّما خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ