< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنْ تَقُومَ السّاعَةُ مِنَ الآجالِ والأعْمالِ، قالَ: وهو قَلَمٌ مِن نُورٍ طُولُهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ قالَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ فَقالَ: اكْتُبِ القَدَرَ فَكَتَبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّما يَجْرِي النّاسُ عَلى أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ. قالَ القاضِي: هَذا الخَبَرُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ؛ لِأنَّ القَلَمَ الَّذِي هو آلَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الكِتابَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَيًّا عاقِلًا فَيُؤْمَرُ ويُنْهى، فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَيَوانًا مُكَلَّفًا وبَيْنَ كَوْنِهِ آلَةً لِلْكِتابَةِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى أجْراهُ بِكُلِّ ما يَكُونُ وهو كَقَوْلِهِ:﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (غافِرٍ: ٦٨) فَإنَّهُ لَيْسَ هُناكَ أمْرٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلْ هو مُجَرَّدُ نَفاذِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ مِن غَيْرِ مُنازَعَةٍ ولا مُدافَعَةٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ القَلَمَ المَذْكُورَ هَهُنا هو العَقْلُ، وأنَّهُ شَيْءٌ هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، وفي خَبَرٍ آخَرَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَذابَتْ وتَسَخَّنَتْ فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ وزَبَدٌ فَخَلَقَ مِنَ الدُّخانِ السَّماواتِ ومِنَ الزَّبَدِ الأرْضَ، قالُوا: فَهَذِهِ الأخْبارُ بِمَجْمُوعِها تَدُلُّ عَلى أنَّ القَلَمَ والعَقْلَ وتِلْكَ الجَوْهَرَةَ الَّتِي هي أصْلُ المَخْلُوقاتِ شَيْءٌ واحِدٌ وإلّا حَصَلَ التَّناقُضُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وسَطْرِهِمْ، فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِنَفْسِ الكِتابَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المَسْطُورَ والمَكْتُوبَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنْ حَمَلْنا القَلَمَ عَلى كُلِّ قَلَمٍ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ كانَ المَعْنى ظاهِرًا، وكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِكُلِّ قَلَمٍ، وبِكُلِّ ما يُكْتَبُ بِكُلِّ قَلَمٍ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ ما يَسْطُرُهُ الحَفَظَةُ والكِرامُ الكاتِبُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلَمِ أصْحابُهُ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: وأصْحابِ القَلَمِ وسَطْرِهِمْ، أيْ ومَسْطُوراتِهِمْ. وأمّا إنْ حَمَلْنا القَلَمَ عَلى ذَلِكَ القَلَمِ المُعَيَّنِ،

صفحة ٧٠

فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ وما يَسْطُرُونَ فِيهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ولَفْظُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الجَمْعَ بَلِ التَّعْظِيمَ، أوْ يَكُونَ المُرادُ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سُطِرَتْ فِيهِ مِنَ الأعْمالِ والأعْمارِ، وجَمِيعِ الأُمُورِ الكائِنَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ:

﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غابَ عَنْ خَدِيجَةَ إلى حِراءٍ، فَطَلَبَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَإذا بِهِ وجْهُهُ مُتَغَيِّرٌ بِلا غُبارٍ، فَقالَتْ لَهُ: ما لَكَ ؟ فَذَكَرَ نُزُولَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾(العَلَقِ: ١) فَهو أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، قالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِي إلى قَرارِ الأرْضِ فَتَوَضَّأ وتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ صَلّى وصَلَّيْتُ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ، وقالَ: هَكَذا الصَّلاةُ يا مُحَمَّدُ، فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ لِخَدِيجَةَ، فَذَهَبَتْ خَدِيجَةُ إلى ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وهو ابْنُ عَمِّها، وكانَ قَدْ خالَفَ دِينَ قَوْمِهِ، ودَخَلَ في النَّصْرانِيَّةِ، فَسَألَتْهُ فَقالَ: أرْسِلِي إلَيَّ مُحَمَّدًا، فَأرْسَلَتْهُ فَأتاهُ فَقالَ لَهُ: هَلْ أمَرَكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَدْعُوَ إلى اللَّهِ أحَدًا ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ: واللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ إلى دَعْوَتِكَ لَأنْصُرَنَّكَ نَصْرًا عَزِيزًا، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ دُعاءِ الرَّسُولِ، ووَقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ في ألْسِنَةِ كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقالُوا: إنَّهُ لَمَجْنُونٌ، فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّهُ لَيْسَ