< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah068
Al-Qalam (68)
The Pen, makkah, 52 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المُرادُ مِنهُ، إمّا آخِرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ (الفَرْقانِ: ٢٢) ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالُ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ (الواقِعَةِ: ٨٣) واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هَهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: (يَوْمَ نَكْشِفُ) بِالنُّونِ و(تَكْشِفُ) بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ جَمِيعًا، والفِعْلُ لِلسّاعَةِ أوْ لِلْحالِ، أيْ يَوْمَ يَشْتَدُّ الحالُ أوِ السّاعَةُ، كَما تَقُولُ: كَشَفَ الحَرْبُ عَنْ ساقِها عَلى المَجازِ. وقُرِئَ (تُكْشِفُ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أكْشَفَ إذا دَخَلَ في الكَشَفِ، ومِنهُ أكْشَفَ الرَّجُلُ فَهو مُكْشِفٌ إذا انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ العُلْيا.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ﴾
صفحة ٨٥
﴿إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ .اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهم لا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ تَعَبُّدًا وتَكْلِيفًا، ولَكِنْ تَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلى تَرْكِهِمُ السُّجُودَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حالَ ما يَدْعُوهم إلى السُّجُودِ يَسْلُبُ عَنْهُمُ القُدْرَةَ عَلى السُّجُودِ، ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الِاسْتِطاعَةِ حَتّى تَزْدادَ حَسْرَتُهم ونَدامَتُهم عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ، حِينَ دُعُوا إلى السُّجُودِ وهم سالِمُو الأطْرافِ والمَفاصِلِ. قالَ الجُبّائِيُّ: لَمّا خَصَّصَ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ بِالآخِرَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ، فَبَطَلَ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: الكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ، وإنَّ القُدْرَةَ عَلى الإيمانِ لا تَحْصُلُ إلّا حالَ وُجُودِ الإيمانِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُنافٍ لِوُجُودِ الإيمانِ والجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ مُحالٌ، فالِاسْتِطاعَةُ في الدُّنْيا أيْضًا غَيْرُ حاصِلَةٍ عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ فَهو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ( لا يَسْتَطِيعُونَ. . . . ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ يَعْنِي يَلْحَقُهم ذُلٌّ بِسَبَبِ أنَّهم ما كانُوا مُواظِبِينَ عَلى خِدْمَةِ مَوْلاهم مِثْلُ العَبْدِ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ مَوْلاهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِيلًا فِيما بَيْنَ النّاسِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ يَعْنِي حِينَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ بِالأذانِ والإقامَةِ وكانُوا سالِمِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّلاةِ، وفي هَذا وعِيدٌ لِمَن قَعَدَ عَنِ الجَماعَةِ ولَمْ يُجِبِ المُؤَذِّنَ إلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ زادَ في التَّخْوِيفِ فَخَوَّفَهم بِما عِنْدَهُ، وفي قُدْرَتِهِ مِنَ القَهْرِ، فَقالَ: ذَرْنِي وإيّاهُ، يُرِيدُ كِلْهُ إلَيَّ، فَإنِّي أكْفِيكَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ حَسْبُكَ انْتِقامًا مِنهُ أنْ تَكِلَ أمْرَهُ إلَيَّ، وتُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَإنِّي عالِمٌ بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ يُقالُ: اسْتَدْرَجَهُ إلى كَذا إذا اسْتَنْزَلَهُ إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، حَتّى يُوَرِّطَهُ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ أبُو رَوْقٍ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾أيْ كُلَّما أذْنَبُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً وأنْسَيْناهُمُ الِاسْتِغْفارَ، فالِاسْتِدْراجُ إنَّما حَصَلَ في الِاغْتِناءِ الَّذِي لا يَشْعُرُونَ