< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah068
Al-Qalam (68)
The Pen, makkah, 52 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مُؤَكَّدَةً كَما تَقُولُ: جَيِّدَةٌ بالِغَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الصِّحَّةِ والجَوْدَةِ فَهو بالِغٌ، وأمّا قَوْلُهُ:﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ فَهو جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أمْ أقْسَمْنا لَكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (بالِغَةً) بِالنَّصْبِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾
والمَعْنى أيُّهم بِذَلِكَ الحُكْمِ زَعِيمٌ، أيْ قائِمٌ بِهِ وبِالِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّتِهِ، كَما يَقُومُ زَعِيمُ القَوْمِ بِإصْلاحِ أُمُورِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾وفِي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أمْ لَهم أشْياءُ يَعْتَقِدُونَ أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ، فَيَعْتَقِدُونَ أنَّ أُولَئِكَ الشُّرَكاءَ يَجْعَلُونَهم في الآخِرَةِ مِثْلَ المُؤْمِنِينَ في الثَّوابِ والخَلاصِ مِنَ العِقابِ، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ (الرُّومِ: ٤٠) .
الوَجْهُ الثّانِي: في المَعْنى أمْ لَهم ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا المَذْهَبِ وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ، فَلْيَأْتُوا بِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ في دَعْواهم، والمُرادُ بَيانُ أنَّهُ كَما لَيْسَ لَهم دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ في إثْباتِ هَذا المَذْهَبِ، ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وهو كِتابٌ يَدْرُسُونَهُ، فَلَيْسَ لَهم مَن يُوافِقُهم مِنَ العُقَلاءِ عَلى هَذا القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ باطِلٌ مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ قَوْلَهم، وأفْسَدَ مَقالَتَهم شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ يَوْمِ القِيامَةِ.
فَقالَ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ، بِقَوْلِهِ: (فَلْيَأْتُوا) في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ وذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ شَدِيدٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّها شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، لِتَنْفَعَهم وتَشْفَعَ لَهم.
وثانِيها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، كانَ كَيْتَ وكَيْتَ فَحُذِفَ لِلتَّهْوِيلِ البَلِيغِ، وأنَّ ثَمَّ مِنَ الكَوائِنِ ما لا يُوصَفُ لِعَظَمَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ، أهُوَ يَوْمُ القِيامَةِ أوْ في الدُّنْيا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ السّاقِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الشِّدَّةُ، ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ ابْنُ
صفحة ٨٣
عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إذا خُفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ، فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ:سَنَّ لَنا قَوْمُكَ ضَرْبَ الأعْناقِ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ
ثُمَّ قالَ: وهو كَرْبٌ وشِدَّةٌ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ قالَ: هو أشَدُّ ساعَةٍ في القِيامَةِ، وأنْشَدَ أهْلُ اللُّغَةِ أبْياتًا كَثِيرَةً (مِنها):فَإنْ شَمَّرَتْ لَكَ عَنْ ساقِها ∗∗∗ فَوَيْهًا رَبِيعَ ولا تَسْأمِ
ومِنها:كَشَفَتْ لَكم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ الصُّراحْ
وقالَ جَرِيرٌ:ألا رُبَّ سامِ الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ آخَرُ:فِي سَنَةٍ قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها ∗∗∗ حَمْراءُ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها
وقالَ آخَرُ:قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا
ثُمَّ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ، يُشَمِّرُ عَنْ ساقِهِ، فَلا جَرَمَ يُقالُ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ: كَشَفَ عَنْ ساقِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا اعْتِرافٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ بِأنَّ اسْتِعْمالَ السّاقِ في الشِّدَّةِ مَجازٌ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الكَلامِ إلى المَجازِ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإذا أقَمْنا الدَّلائِلَ القاطِعَةَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ