< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ.

ورابِعُها: الصُّبْحُ يُسَمّى صَرِيمًا؛ لِأنَّهُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ يَبِسَتْ وذَهَبَتْ خُضْرَتُها ولَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ، مِن قَوْلِهِمْ: بَيَّضَ الإناءَ إذا فَرَّغَهُ.

وخامِسُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ صارَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، واللَّيْلُ يُسَمّى صَرِيمًا وكَذا النَّهارُ يُسَمّى أيْضًا صَرِيمًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ بِالآخَرِ، وعَلى هَذا الصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا، لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ وعَلى هَذا هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَتِ اللَّيْلَةُ بِالصَّرِيمِ؛ لِأنَّها تَصْرُمُ نُورَ البَصَرِ وتَقْطَعُهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾

قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ﴾ ويَعْنِي بِالحَرْثِ الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ، ولِذَلِكَ قالَ: صارِمِينَ؛ لِأنَّهم أرادُوا قَطْعَ الثِّمارِ مِن هَذِهِ الأشْجارِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ اغْدُوا إلى حَرْثِكم، وما مَعْنى (عَلى) ؟ قُلْنا: لَمّا كانَ الغُدُوُّ إلَيْهِ لِيَصْرِمُوهُ ويَقْطَعُوهُ كانَ غُدُوًّا عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: غَدا عَلَيْهِمُ العَدُوُّ، ويَجُوزُ أنْ تُضَمِّنَ الغُدُوَّ مَعْنى الإقْبالِ، كَقَوْلِهِمْ: يُغْدى عَلَيْهِمْ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، أيْ فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾

أيْ يَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم، وخَفِيَ وخَفَتَ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى

صفحة ٧٩

كَتَمَ، ومِنهُ الخُفْدُودُ لِلْخُفّاشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَدَوْا إلَيْها بِسُدْفَةٍ يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ الكَلامَ؛ لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِطَرْحِها بِإضْمارْ أيْ يَتَخافَتُونَ يَقُولُونَ: لا يَدْخُلُها، النَّهْيُ لِلْمِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ، أيْ لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، كَقَوْلِكَ لا أرَيَنَّكَ هَهُنا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾

وفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: الحَرْدُ المَنعُ يُقالُ: حارَدَتِ السَّنَةُ إذا قَلَّ مَطَرُها ومَنَعَتْ رِيعَها، وحارَدَتِ النّاقَةُ إذا مَنَعَتْ لَبَنَها فَقَلَّ اللَّبَنُ، والحَرْدُ الغَضَبُ، وهُما لُغَتانِ الحَرَدُ والحَرْدُ والتَّحْرِيكُ أكْثَرُ، وإنَّما سُمِّيَ الغَضَبُ بِالحَرْدِ لِأنَّهُ كالمانِعِ مِن أنْ يَدْخُلَ المَغْضُوبُ مِنهُ في الوُجُودِ، والمَعْنى وغَدَوْا وكانُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وفي ظَنِّهِمْ قادِرِينَ عَلى مَنعِ المَساكِينِ.

الثّانِي: قِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ، يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ قالَ الشّاعِرُ:

أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ

وقَطًا حِرادٌ أيْ سِراعٌ، يَعْنِي وغَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى صِرامِها، ومَنعِ مَنفَعَتِها عَنِ المَساكِينِ.

والثّالِثُ: قِيلَ: حَرْدٌ عَلَمٌ لِتِلْكَ الجَنَّةِ أيْ غَدَوْا عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ قادِرِينَ عَلى صِرامِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَتِمَّ لَهم مُرادُهم مِنَ الصِّرامِ والحِرْمانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾

فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم ظَنُّوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ فَقالُوا: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَرَفُوا أنَّها هي قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرُها بِشُؤْمِ عَزْمِنا عَلى البُخْلِ ومَنعِ الفُقَراءِ.

وثانِيها: يَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم مُحْتَرِقَةً قالُوا: إنّا لَضالُّونَ حَيْثُ كُنّا عازِمِينَ عَلى مَنعِ الفُقَراءِ، وحَيْثُ كُنّا نَعْتَقِدُ كَوْنَنا قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ بِها، بَلِ الأمْرُ انْقَلَبَ عَلَيْنا فَصِرْنا نَحْنُ المَحْرُومِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ يَعْنِي أعْدَلُهم وأفْضَلُهم، وبَيَّنّا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ .

﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ يَعْنِي هَلّا تُسَبِّحُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: مَعْناهُ هَلّا تَسْتَثْنُونَ فَتَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عابَهم بِأنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ، وإنَّما جازَ تَسْمِيَةُ قَوْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ