< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah067
Al-Mulk (67)
The Sovereignty, makkah, 30 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إشارَةٌ إلى فَسادِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعُتُوِّ والنُّفُورِ، نَبَّهَ عَلى ما يَدُلُّ عَلى قُبْحِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أكَبَّ مُطاوِعُ كَبَّهُ، يُقالُ: كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ، ونَظِيرُهُ قَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ فَأقْشَعَ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجاءَ شَيْءٌ مِن بِناءِ أفْعَلَ مُطاوِعًا ؟ بَلْ قَوْلُكَ: أكَبَّ مَعْناهُ دَخَلَ في الكَبِّ وصارَ ذا كَبٍّ، وكَذَلِكَ أقْشَعَ السَّحابُ دَخَلَ في القَشْعِ، وأنْفَضَ أيْ دَخَلَ في النَّفْضِ، وهو نَفْضُ الوِعاءِ، فَصارَ عِبارَةً عَنِ الفَقْرِ، وألامَ دَخَلَ في اللَّوْمِ، وأمّا مُطاوِعُ كَبَّ وقَشَعَ فَهو انْكَبَّ وانْقَشَعَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يَمْشِي في مَكانٍ غَيْرِ مُسْتَوٍ، بَلْ فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ فَيَعْثُرُ كُلَّ ساعَةٍ ويَخِرُّ عَلى وجْهِهِ مُكِبًّا، فَحالُهُ نَقِيضُ حالِ مَن يَمْشِي سَوِيًّا أيْ قائِمًا سالِمًا مِنَ العُثُورِ والخُرُورِ.
وثانِيها: أنَّ المُتَعَسِّفَ الَّذِي يَمْشِي هَكَذا وهَكَذا عَلى الجَهالَةِ والحَيْرَةِ لا يَكُونُ كَمَن يَمْشِي إلى جِهَةٍ مَعْلُومَةٍ مَعَ العِلْمِ واليَقِينِ.
وثالِثُها: أنَّ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَيَتَعَسَّفُ ولا يَزالُ يَنْكَبُّ عَلى وجْهِهِ لا يَكُونُ كالرَّجُلِ السَّوِيِّ الصَّحِيحِ البَصَرِ الماشِي في الطَّرِيقِ المَعْلُومِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هَذا حِكايَةُ حالِ الكافِرِ في الآخِرَةِ، قالَ قَتادَةُ: الكافِرُ أكَبَّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ فَحَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ، والمُؤْمِنُ كانَ عَلى الدِّينِ الواضِحِ فَحَشَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا حِكايَةُ حالِ المُؤْمِنِ والكافِرِ والعالِمِ والجاهِلِ في الدُّنْيا، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَمِنهم مَن قالَ: هَذا عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ.
البُرْهانُ الثّانِي عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
صفحة ٦٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ البُرْهانَ أوَّلًا مِن حالِ سائِرِ الحَيَواناتِ، وهو وُقُوفُ الطَّيْرِ في الهَواءِ، أوْرَدَ البُرْهانَ بَعْدَهُ مِن أحْوالِ النّاسِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ مِن عَجائِبِ ما فِيهِ حالَ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، ولَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أحْوالِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واعْلَمْ أنَّ في ذِكْرِها هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى دَقِيقَةٍ لَطِيفَةٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أعْطَيْتُكم هَذِهِ الإعْطاءاتِ الثَّلاثَةَ مَعَ ما فِيها مِنَ القُوى الشَّرِيفَةِ، لَكِنَّكم ضَيَّعْتُمُوها فَلَمْ تَقْبَلُوا ما سَمِعْتُمُوهُ ولا اعْتَبَرْتُمْ بِما أبْصَرْتُمُوهُ، ولا تَأمَّلْتُمْ في عاقِبَةِ ما عَقَلْتُمُوهُ، فَكَأنَّكم ضَيَّعْتُمْ هَذِهِ النِّعَمَ وأفْسَدْتُمْ هَذِهِ المَواهِبَ، فَلِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى هو أنْ يَصْرِفَ تِلْكَ النِّعْمَةَ إلى وجْهِ رِضاهُ، وأنْتُمْ لَمّا صَرَفْتُمُ السَّمْعَ والبَصَرَ والعَقْلَ لا إلى طَلَبِ مَرْضاتِهِ فَأنْتُمْ ما شَكَرْتُمْ نِعْمَتَهُ ألْبَتَّةَ.
البُرْهانُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ أوَّلًا ثُمَّ بِصِفاتِ الإنْسانِ ثانِيًا وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، ثُمَّ بِحُدُوثِ ذاتِهِ ثالِثًا وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ واحْتَجَّ المُتَكَلِّمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ هو الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ عَنِ التَّحَيُّزِ والكَمِّيَّةِ عَلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ هو