< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾

هَذا هو الكَلامُ الثّانِي مِمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ جَوابًا لِلْخَزَنَةِ حِينَ قالُوا: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ والمَعْنى لَوْ كُنّا نَسْمَعُ الإنْذارَ سَماعَ مَن كانَ طالِبًا لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُهُ عَقْلَ مَن كانَ مُتَأمِّلًا مُتَفَكِّرًا لَما كُنّا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ، وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والإضْلالِ بِأنْ قالُوا: لَفْظَةُ لَوْ تُفِيدُ امْتِناعَ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعٌ ولا عَقْلٌ، لَكِنْ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا ذَوِي أسْماعٍ وعُقُولٍ صَحِيحَةٍ، وأنَّهم ما كانُوا صُمَّ الأسْماعِ ولا مَجانِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعُ الهِدايَةِ ولا عَقْلُ الهِدايَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: الدِّينُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَقالَ: إنَّهُ قَدَّمَ السَّمْعَ عَلى العَقْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ أوَّلًا مِن إرْشادِ المُرْشِدِ وهِدايَةِ الهادِي، ثُمَّ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَهْمُ المُسْتَجِيبِ وتَأمُّلُهُ فِيما يُلْقِيهِ المُعَلِّمُ، والجَوابُ: أنَّهُ إنَّما قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَدْعُوَّ إذا لَقِيَ الرَّسُولَ فَأوَّلُ المَراتِبِ أنَّهُ يَسْمَعُ كَلامَهُ ثُمَّ إنَّهُ يَتَفَكَّرُ فِيهِ، فَلَمّا كانَ السَّمْعُ مُقَدَّمًا بِهَذا السَّبَبِ عَلى التَّعَقُّلِ والتَّفَهُّمِ لا جَرَمَ قُدِّمَ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ.

صفحة ٥٨

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ المُرادَ لَوْ كُنّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الحَدِيثِ أوْ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الرَّأْيِ، ثُمَّ قالَ: كَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ظُهُورِ هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، وكَأنَّ سائِرَ أصْحابِ المَذاهِبِ والمُجْتَهِدِينَ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ وعِيدَهم.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن فَضَّلَ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلسَّمْعِ مَدْخَلًا في الخَلاصِ عَنِ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، والبَصَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ هَذا القَوْلَ قالَ: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِتَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ وهو قَوْلُهم: ﴿فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الذَّنْبَ هَهُنا في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ، كَما يُقالُ: خَرَجَ عَطاءُ النّاسِ، أيْ عَطِيّاتِهِمْ هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالواحِدِ المُضافِ الشّائِعَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٣٤) .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: فَبُعْدًا لَهُمُ اعْتَرَفُوا أوْ جَحَدُوا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم، والسُّحْقُ البُعْدُ، وفِيهِ لُغَتانِ: التَّخْفِيفُ والتَّثْقِيلُ، كَما تَقُولُ في العُنُقِ والطُّنُبِ، قالَ الزَّجّاجُ: سُحْقًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كانَ القِياسُ سِحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ كَقَوْلِهِمْ: عَمْرَكَ اللَّهَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم وهم في دارِ التَّكْلِيفِ والمَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ وبِهِمْ حاجَةٌ إلى مُجاهَدَةِ الشَّيْطانِ ودَفْعِ الشُّبَهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُتَّقِيًا مِن جَمِيعِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَن يَتَّقِي مَعاصِيَ اللَّهِ في الخَلْوَةِ اتَّقاها حَيْثُ يَراهُ النّاسُ لا مَحالَةَ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الفُسّاقِ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخَشْيَةِ فَلَهُ الأجْرُ العَظِيمُ، فَإذا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الفِسْقِ ومَعَ هَذِهِ الخَشْيَةِ، فَقَدْ حَصَلَ الأمْرانِ فَإمّا أنْ يُثابَ ثُمَّ