< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah066
At-Tahrim (66)
The Prohibition, madinah, 12 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
(عَرَفَ) مُخَفَّفًا أيْ جازى عَلَيْهِ مِن قَوْلِكَ لِلْمُسِيءِ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ وقَدْ عَرَفْتُ ما صَنَعْتَ، قالَ تَعالى:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ (النِّساءِ: ٦٣) أيْ يُجازِيهِمْ وهو يَعْلَمُ ما في قُلُوبِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ﴾ حَفْصَةُ: ﴿مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَبِيرًا بَعْدَما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَلِيمًا لِما أنَّ في الخَبِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في العَلِيمِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: كَيْفَ يُناسِبُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التَّحْرِيمِ: ١) ؟ نَقُولُ: يُناسِبُهُ لِما كانَ تَحْرِيمُ المَرْأةِ يَمِينًا حَتّى إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ فَهو يَمِينٌ ويَصِيرُ مُولِيًا بِذِكْرِهِ مِن بَعْدُ ويُكَفِّرُ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أنَّهُ كانَتْ مِنهُ يَمِينٌ، فَهَلْ كَفَّرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِذَلِكَ ؟ نَقُولُ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ؛ لِأنَّهُ كانَ مَغْفُورًا لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وإنَّما هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾
صفحة ٤٠
قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِعائِشَةَ وحَفْصَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في مُعاتَبَتِهِما والتَّوْبَةِ مِنَ التَّعاوُنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالإيذاءِ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أيْ عَدَلَتْ ومالَتْ عَنِ الحَقِّ، وهو حَقُّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ حَقٌّ عَظِيمٌ يُوجَدُ فِيهِ اسْتِحْقاقُ العِتابِ بِأدْنى تَقْصِيرٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ: كانَ خَيْرًا لَكُما، والمُرادُ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلُوبُكُما﴾ التَّثْنِيَةُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اخْتِيرَ الجَمْعُ عَلى التَّثْنِيَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الجَوارِحُ اثْنانِ اثْنانِ في الإنْسانِ كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والعَيْنَيْنِ، فَلَمّا جَرى أكْثَرُهُ عَلى ذَلِكَ ذُهِبَ بِالواحِدِ مِنهُ إذا أُضِيفَ إلى اثْنَيْنِ مَذْهَبُ الِاثْنَيْنِ، وقَدْ مَرَّ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ أيْ وإنْ تَعاوَنا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالإيذاءِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ أيْ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ التَّظاهُرُ مِنكُما و(مَوْلاهُ) أيْ ولِيُّهُ وناصِرُهُ (وجِبْرِيلُ) رَأْسُ الكَرُوبِيِّينَ، قَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِهِ مُفْرِدًا لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مُوالِيَيْنِ النَّبِيَّ ﷺ عَلى مَن عاداهُ، وناصِرَيْنِ لَهُ، وهو قَوْلُ المُقاتِلِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: خِيارُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: مَن صَلَحَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ كُلُّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، وقِيلَ: مَن بَرِئَ مِنهم مِنَ النِّفاقِ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ كُلُّهم، وقِيلَ: الخُلَفاءُ وقِيلَ: الصَّحابَةُ، وصالِحُ هَهُنا يَنُوبُ عَنِ الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدَ حَضْرَةِ اللَّهِ وجِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ (ظَهِيرٌ) أيْ فَوْجٌ مَظاهِرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأعْوانٌ لَهُ وظَهِيرٌ في مَعْنى الظُّهَراءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) قالَ الفَرّاءُ: والمَلائِكَةُ بَعْدَ نُصْرَةِ هَؤُلاءِ ظَهِيرٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ جاءَ فَعِيلٌ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (المَعارِجِ: ١٠، ١١) ثُمَّ خَوَّفَ نِساءَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ﴿أنْ يُبْدِلَهُ﴾بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا أنَّهُ لا يُطَلِّقُهُنَّ لَكِنْ أخْبَرَ