< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah065
At-Talaaq (65)
Divorce, madinah, 12 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَصْبِرْ عَلى المُصِيبَةِ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ،«وقَرَأها النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: مَخْرَجًا مِن شُبُهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ، ومِن شَدائِدِ يَوْمِ القِيامَةِ»، وقالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: «أُنْزِلَ هَذا وما بَعْدَهُ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ أسَرَ العَدُوُّ ابْنًا لَهُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ، وذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وشَكا إلَيْهِ الفاقَةَ، فَقالَ لَهُ: ”اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ وأكْثِرْ مِن قَوْلِ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ“ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَبَيْنَما هو في بَيْتِهِ إذْ أتاهُ ابْنُهُ، وقَدْ غَفَلَ عَنْهُ العَدُوُّ، فَأصابَ إبِلًا وجاءَ بِها إلى أبِيهِ»، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَبَيْنا هو في بَيْتِهِ، إذْ قَرَعَ ابْنُهُ البابَ ومَعَهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ غَفَلَ عَنْها العَدُوُّ فاسْتاقَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ويَجُوزُ أنَّهُ إنِ اتَّقى اللَّهَ وآثَرَ الحَلالَ والصَّبْرَ عَلى أهْلِهِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ إنْ كانَ ذا ضِيقٍ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وقالَ في ”الكَشّافِ“: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ مِن إجْراءِ أمْرِ الطَّلاقِ عَلى السُّنَّةِ كَما مَرَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ مَن وثِقَ بِهِ فِيما نالَهُ كَفاهُ اللَّهُ ما أهَمَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ» “ وقُرِئَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ بِالإضافَةِ (وبالِغٌ أمْرَهُ) أيْ نافِذٌ أمْرَهُ، وقَرَأ المُفَضَّلُ: (بالِغًا أمْرَهُ)، عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (قَدْ جَعَلَ) خَبَرُ (إنَّ)، و(بالِغًا) حالٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ في جَمِيعِ خَلْقِهِ. والمَعْنى سَيُبْلِغُ اللَّهُ أمْرَهُ فِيما يُرِيدُ مِنكم، و﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ تَقْدِيرًا وتَوْقِيتًا، وهَذا بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ أجَلٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ، قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ لا يُقَدَّمُ
صفحة ٣٢
ولا يُؤَخَّرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ قَدَّرْتُ ما خَلَقْتُ بِمَشِيئَتِي، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مَخْرَجًا﴾ آيَةٌ، ومِنهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْرًا﴾ آيَةٌ أُخْرى عِنْدَ الأكْثَرِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّ والمَدَنِيِّ المَجْمُوعُ آيَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ التَّقْوى في رِعايَةِ أحْوالِ النِّساءِ مُفْتَقِرَةٌ إلى المالِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النُّورِ: ٣٢) فَإنْ قِيلَ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاحْتِياجِ لِلْكَسْبِ في طَلَبِ الرِّزْقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجُمُعَةِ: ١٠) يَدُلُّ عَلى الِاحْتِياجِ فَكَيْفَ هو ؟ نَقُولُ: لا يَدُلُّ عَلى الِاحْتِياجِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ لِلْإباحَةِ كَما مَرَّ، والإباحَةُ مِمّا يُنافِي الِاحْتِياجَ إلى الكَسْبِ لِما أنَّ الِاحْتِياجَ مُنافٍ لِلتَّخْيِيرِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾
قَوْلُهُ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِدَّةَ ذَواتِ الأقْراءِ والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وذَكَرَ عِدَّةَ سائِرِ النِّسْوَةِ اللّائِي لَمْ يُذْكَرْنَ هُناكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ورُوِيَ «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا عِدَّةَ الَّتِي تَحِيضُ، فَما عِدَّةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ فَنَزَلَ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ»﴾ .
وقَوْلُهُ: