< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وغَيْرِهِ، ولا عِصْمَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ ولا عَلَقَةَ النِّكاحِ كَذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اخْتِلافَ الدّارَيْنِ يَقْطَعُ العِصْمَةَ، وقِيلَ: لا تَقْعُدُوا لِلْكَوافِرِ، وقُرِئَ: تُمْسِكُوا، بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، وتُمْسِكُوا أيْ ولا تَتَمَسَّكُوا، وقَوْلُهُ تَعالى:﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ وهو إذا لَحِقَتِ امْرَأةٌ مِنكم بِأهْلِ العَهْدِ مِنَ الكُفّارِ مُرْتَدَّةً فاسْألُوهم ما أنْفَقْتُمْ مِنَ المَهْرِ إذا مَنَعُوها ولَمْ يَدْفَعُوها إلَيْكم فَعَلَيْهِمْ أنْ يَغْرَمُوا صَداقَها كَما يُغْرَمُ لَهم وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ أمْرٌ بِمَعْنى الوُجُوبِ، أوْ بِمَعْنى النَّدْبِ، أوْ بِغَيْرِ هَذا وذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: هو بِمَعْنى الِاسْتِحْبابِ.

الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن غَيْرِ شَكٍّ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنْ لا سَبِيلَ إلى ما تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ مِنَ الإحاطَةِ بِحَقِيقَةِ إيمانِهِنَّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ.

الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ دُونَ الآخَرِ ؟ نَقُولُ: هَذا بِاعْتِبارِ الإيمانِ مِن جانِبِهِنَّ ومِن جانِبِهِمْ إذِ الإيمانُ مِنَ الجانِبَيْنِ شَرْطٌ لِلْحِلِّ؛ ولِأنَّ الذِّكْرَ مِنَ الجانِبَيْنِ مُؤَكَّدٌ لِارْتِفاعِ الحِلِّ، وفِيهِ مِنَ الإفادَةِ ما لا يَكُونُ في غَيْرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنْ يَكْفِي قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ أحَدُهُما لِلْآخَرِ فَلا حاجَةَ إلى الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، والمَقْصُودُ هَذا لا غَيْرُ. نَقُولُ: التَّلَفُّظُ بِهَذا اللَّفْظِ لا يُفِيدُ ارْتِفاعَ الحِلِّ مِنَ الجانِبَيْنِ بِخِلافِ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ وهَذا ظاهِرٌ.

البَحْثُ الرّابِعُ: كَيْفَ سَمّى الظَّنَّ عِلْمًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ ؟ نَقُولُ: إنَّهُ مِن بابِ أنَّ الظَّنَّ الغالِبَ وما يُفْضِي إلَيْهِ الِاجْتِهادُ، والقِياسُ جارٍ مَجْرى العِلْمِ، وأنَّ صاحِبَهُ غَيْرُ داخِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾[الإسراء: ٣٦] .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .

رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ومَسْرُوقٍ أنَّ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَسْألَ المُسْلِمُونَ مِنَ الكُفّارِ مَهْرَ المَرْأةِ المُسْلِمَةِ

صفحة ٢٦٦

إذا صارَتْ إلَيْهِمْ، ويَسْألَ الكُفّارُ مِنَ المُسْلِمِينَ مَهْرَ مَن صارَتْ إلَيْنا مِن نِسائِهِمْ مَسْلَمَةً، فَأقَرَّ المُسْلِمُونَ بِحُكْمِ اللَّهِ وأبى المُشْرِكُونَ فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ سَبَقَكم وانْفَلَتَ مِنكم، قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ ارْتَدَّتْ وتَرَكَتْ زَوْجَها عَبّاسَ بْنَ تَمِيمٍ القُرَشِيَّ، ولَمْ تَرْتَدَّ امْرَأةٌ مِن غَيْرِ قُرَيْشٍ غَيْرُها، ثُمَّ عادَتْ إلى الإسْلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أيْ فَغَنِمْتُمْ، عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٍ ومُقاتِلٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أصَبْتُمْ مِنهم عُقْبى، وقالَ المُبَرِّدُ ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أيْ فَعَلْتُمْ ما فُعِلَ بِكم يَعْنِي ظَفَرْتُمْ، وهو مِن قَوْلِكَ: العُقْبى لِفُلانٍ، أيِ العاقِبَةُ، وتَأْوِيلُ العاقِبَةِ الكَرَّةُ الأخِيرَةُ، ومَعْنى عاقَبْتُمْ: غَزَوْتُمْ مُعاقِبِينَ غَزْوًا بَعْدَ غَزْوٍ، وقِيلَ: كانَتِ العُقْبى لَكم والغَلَبَةُ، فَأعْطُوا الأزْواجَ مِن رَأْسِ الغَنِيمَةِ ما أنْفَقُوا عَلَيْهِنَّ مِنَ المَهْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾، وقُرِئَ: فَأعْقَبْتُمْ، وفَعَقَّبْتُمْ بِالتَّشْدِيدِ، وفَعَقَبْتُمْ بِالتَّخْفِيفِ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَرَغَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِن بَيْعَةِ الرِّجالِ أخَذَ في