< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah060
Al-Mumtahana (60)
She that is to be examined, madinah, 13 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَعالى، قالَ بَعْضُهم: لا تَهْجُرُوا كُلَّ الهَجْرِ، فَإنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى الخَفِيّاتِ والسَّرائِرِ. ويُرْوى:«أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عَسى أنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما» .
ومِنَ المَباحِثِ في هَذِهِ الحِكْمَةِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ إذا كانَ تَأْوِيلُهُ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا مَثَلًا، فَلِمَ تَرَكَ هَذا، وأتى بِذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: إذا كانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ هَذا، فَإذا أتى بِهِ فَكَأنَّهُ أتى بِهَذا وذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى واحِدٍ مِن تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ.
الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ وقَدْ كانَ الكَلامُ مُرَتَّبًا إذا قِيلَ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فَنَقُولُ: إنَّهم طَلَبُوا البَراءَةَ عَنِ الفِتْنَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الفِتْنَةِ لا
صفحة ٢٦٣
يُمْكِنُ وُجُودُها بِدُونِ المَغْفِرَةِ، إذِ العاصِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مَغْفُورًا كانَ مَقْهُورًا بِقَهْرِ العَذابِ، وذَلِكَ فِتْنَةٌ، إذِ الفِتْنَةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَقْهُورًا، و﴿الحَمِيدُ﴾ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وبِمَعْنى المَحْمُودِ، فالمَحْمُودُ أيْ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِن خَلْقِهِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، والحامِدُ أيْ يَحْمَدُ الخَلْقَ، ويَشْكُرُهم حَيْثُ يَجْزِيهِمْ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَّوابِ عَنِ القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ.ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن تَرْكِ انْقِطاعِ المُؤْمِنِينَ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الكُفّارِ رَخَّصَ في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ:
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهم أهْلُ العَهْدِ الَّذِينَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى تَرْكِ القِتالِ، والمُظاهَرَةِ في العَداوَةِ، وهم خُزاعَةُ كانُوا عاهَدُوا الرَّسُولَ عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ ولا يُخْرِجُوهُ، فَأمَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبِرِّ والوَفاءِ إلى مُدَّةِ أجَلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والمُقاتِلَيْنِ والكَلْبِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، وقِيلَ: هُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أنَّها نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قَدِمَتْ أُمُّها قُتَيْلَةُ عَلَيْها وهي مُشْرِكَةٌ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْها ولَمْ تَأْذَنْ لَها بِالدُّخُولِ، فَأمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تُدْخِلَها وتَقْبَلَ مِنها وتُكْرِمَها وتَحْسُنَ إلَيْها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ أُخْرِجُوا يَوْمَ بَدْرٍ كُرْهًا، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ المُسْلِمِينَ اسْتَأْمَرُوا رَسُولَ اللَّهِ في أقْرِبائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَصِلُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ، وقالَ قَتادَةُ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ والمَعْنى: لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ، وهَذا رَحْمَةٌ لَهم لِشِدَّتِهِمْ في العَداوَةِ، وقالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ البِرِّ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بِالصِّلَةِ وغَيْرِها ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ يُرِيدُ أهْلَ البِرِّ والتَّواصُلِ، وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ تُوفُوا لَهم بِعَهْدِهِمْ وتَعْدِلُوا، ثُمَّ ذَكَرَ مَنِ الَّذِينَ يَنْهاهم عَنْ صِلَتِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ﴾﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّهُ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى