< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah006
Al-An'aam (6)
The Cattle, makkah, 165 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الدّاخِلَةِ تَحْتَ التَّحْمِيدِ المَذْكُورِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ وتَفْصِيلٌ لِتِلْكَ الجُمْلَةِ.
وثالِثُها: سُورَةُ الكَهْفِ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾[الكَهْفِ: ١] وذَلِكَ أيْضًا تَحْمِيدٌ مَخْصُوصٌ بِنَوْعٍ خاصٍّ مِنَ النِّعْمَةِ وهو نِعْمَةُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والهِدايَةِ والقُرْآنِ، وبِالجُمْلَةِ النِّعَمُ الحاصِلَةُ بِواسِطَةِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ.
ورابِعُها: سُورَةُ سَبَأٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾[سَبَأٍ: ١] وهو أيْضًا قِسْمٌ مِنَ الأقْسامِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وخامِسُها: سُورَةُ فاطِرٍ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾[فاطِرٍ: ١] وظاهِرٌ أيْضًا أنَّهُ قِسْمٌ مِنَ الأقْسامِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَظَهَرَ أنَّ الكَلامَ الكُلِّيَّ التّامَّ هو التَّحْمِيدُ المَذْكُورُ في أوَّلِ الفاتِحَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَهو إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. وواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وما سِواهُ مُمْكِنٌ وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا يُمْكِنُ دُخُولُهُ في الوُجُودِ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ والوُجُودُ نِعْمَةٌ فالإيجادُ إنْعامٌ وتَرْبِيَةٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وأنَّهُ تَعالى المُرَبِّي لِكُلِّ ما سِواهُ والمُحْسِنُ إلى كُلِّ ما سِواهُ، فَذَلِكَ الكَلامُ هو الكَلامُ الكُلِّيُّ الوافِي
صفحة ١٢١
بِالمَقْصُودِ. أمّا التَّحْمِيداتُ المَذْكُورَةُ في أوائِلِ هَذِهِ السُّوَرِ فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها قِسْمٌ مِن أقْسامِ ذَلِكَ التَّحْمِيدِ ونَوْعٌ مِن أنْواعِهِ.فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ الفاطِرِ والرَّبِّ ؟ وأيْضًا لِمَ قالَ هاهُنا: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ بِصِيغَةِ فِعْلِ الماضِي ؟ وقالَ في سُورَةِ فاطِرٍ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ ؟
فَنَقُولُ في الجَوابِ عَنِ الأوَّلِ: الخَلْقُ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وهو في حَقِّ الحَقِّ سُبْحانَهُ عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ النّافِذِ في جَمِيعِ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ الواصِلِ إلى جَمِيعِ ذَواتِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ، وأمّا كَوْنُهُ فاطِرًا فَهو عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والإبْداعِ، فَكَوْنُهُ تَعالى خالِقًا إشارَةٌ إلى صِفَةِ العِلْمِ، وكَوْنُهُ فاطِرًا إشارَةٌ إلى صِفَةِ القُدْرَةِ، وكَوْنُهُ تَعالى رَبًّا ومُرَبِّيًا مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرَيْنِ، فَكانَ ذَلِكَ أكْمَلَ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ وهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِالمَعْلُوماتِ، والعِلْمُ بِالشَّيْءِ يَصِحُّ تَقَدُّمُهُ عَلى وُجُودِ المَعْلُومِ، ألا تَرى أنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ الشَّيْءَ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، أمّا إيجادُ الشَّيْءِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا حالَ وُجُودِ الأثَرِ بِناءً عَلى مَذْهَبِنا أنَّ القُدْرَةَ إنَّما تُؤَثِّرُ في وُجُودِ المَقْدُورِ حالَ وُجُودِ المَقْدُورِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِها قَبْلَ وُجُودِها، وقالَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾[فاطِرٍ: ١] والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَكُونُ فاطِرًا لَها ومُوجِدًا لَها عِنْدَ وُجُودِها.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قَوْلانِ:الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ احْمَدُوا اللَّهَ تَعالى، وإنَّما جاءَ عَلى صِيغَةِ الخَبَرِ لِفَوائِدَ:
إحْداها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ تَعْلِيمَ اللَّفْظِ والمَعْنى، ولَوْ قالَ: احْمَدُوا، لَمْ يَحْصُلْ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الفائِدَتَيْنِ.
وثانِيها: أنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ سَواءٌ حَمِدَهُ حامِدٌ أوْ لَمْ يَحْمَدْهُ.
وثالِثُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ ذِكْرُ الحُجَّةِ فَذِكْرُهُ بِصِيغَةِ الخَبَرِ أوْلى.
والقَوْلُ الثّانِي وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، مَعْناهُ: قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ تَعْلِيمُ العِبادِ أنَّهُ تَعالى قالَ في أثْناءِ السُّورَةِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتِحَةِ: ٤]وهَذا الكَلامُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ إلّا بِالعِبادِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالحَمْدِ وقَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الحَمْدَ لا يَحْسُنُ إلّا عَلى الإنْعامِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا