< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ أنَّ مَعْنى العَوْدِ لِما قالُوا: السُّكُوتُ عَنِ الطَّلاقِ بَعْدَ الظِّهارِ زَمانًا يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَها فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ظاهَرَ فَقَدْ قَصَدَ التَّحْرِيمَ، فَإنْ وصَلَ ذَلِكَ بِالطَّلاقِ فَقَدْ تَمَّمَ ما شَرَعَ مِنهُ مِن إيقاعِ التَّحْرِيمِ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، فَإذا سَكَتَ عَنِ الطَّلاقِ فَذاكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَدِمَ عَلى ما ابْتَدَأ بِهِ مِنَ التَّحْرِيمِ، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في ”أحْكامِ القُرْآنِ“ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي التَّراخِي، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المُظاهِرُ عائِدًا عَقِيبَ القَوْلِ بِلا تَراخٍ، وذَلِكَ خِلافُ مُقْتَضى الآيَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَها بِالأُمِّ، والأُمُّ لا يَحْرُمُ إمْساكُها، فَتَشْبِيهُ الزَّوْجَةِ بِالأُمِّ لا يَقْتَضِي حُرْمَةَ إمْساكِ الزَّوْجَةِ، فَلا يَكُونُ إمْساكُ الزَّوْجَةِ نَقْضًا لِقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَوَجَبَ أنْ لا يُفَسَّرَ العَوْدُ بِهَذا الإمْساكِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ جَعَلَ تَفْسِيرَ العَوْدِ اسْتِباحَةَ الوَطْءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَمَكَّنَ المُظاهِرُ مِنَ العَوْدِ إلَيْها بِهَذا التَّفْسِيرِ عَقِيبَ فَراغِهِ مِنَ التَّلَفُّظِ بِلَفْظِ الظِّهارِ حَتّى يَحْصُلَ التَّراخِي، مَعَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ لَهُ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الإشْكالَ وارِدٌ عَلَيْهِ أيْضًا، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ ما لَمْ يَنْقَضِ زَمانٌ يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَها فِيهِ، لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ عائِدًا، فَقَدْ تَأخَّرَ كَوْنُهُ عائِدًا عَنْ كَوْنِهِ مُظاهِرًا بِذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، وذَلِكَ يَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضى كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ .

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الأُمَّ يَحْرُمُ إمْساكُها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ ويَحْرُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِها، فَقَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ في إمْساكِها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ، أوْ في الِاسْتِمْتاعِ بِها، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، فَقَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَقْتَضِي

صفحة ٢٢٤

تَشْبِيهَها بِالأُمِّ في حُرْمَةِ إمْساكِها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ، فَإذا لَمْ يُطَلِّقْها فَقَدْ أمْسَكَها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ، فَكانَ هَذا الإمْساكُ مُناقِضًا لِمُقْتَضى قَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَوَجَبَ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ عائِدًا، وهَذا كَلامٌ مُلَخَّصٌ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ.

الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ العَوْدِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِباحَةِ الوَطْءِ والمُلامَسَةِ والنَّظَرِ إلَيْها بِالشَّهْوَةِ، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا شَبَّهَها بِالأُمِّ في حُرْمَةِ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ قَصَدَ اسْتِباحَةَ هَذِهِ الأشْياءِ -كانَ ذَلِكَ مُناقِضًا لِقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا شَبَّهَها بِالأُمِّ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ في أيِّ الأشْياءِ شَبَّهَها بِها، فَلَيْسَ صَرْفُ هَذا التَّشْبِيهِ إلى حُرْمَةِ الِاسْتِمْتاعِ وحُرْمَةِ النَّظَرِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى حُرْمَةِ إمْساكِها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ هَذا التَّشْبِيهُ عَلى الكُلِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإذا أمْسَكَها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ لَحْظَةً، فَقَدْ نَقَضَ حُكْمَ قَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَوَجَبَ أنْ يَتَحَقَّقَ العَوْدُ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ العَوْدِ وهو قَوْلُ مالِكٍ: أنَّ العَوْدَ إلَيْها عِبارَةٌ عَنِ العَزْمِ عَلى جِماعِها. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القَصْدَ إلى جِماعِها لا يُناقِضُ كَوْنَها مُحَرَّمَةً، إنَّما المُناقِضُ لِكَوْنِها مُحَرَّمَةً القَصْدُ إلى اسْتِحْلالِ جِماعِها، وحِينَئِذٍ نَرْجِعُ إلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ العَوْدِ -وهُوَ قَوْلُ طاوُسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ: أنَّ العَوْدَ إلَيْها عِبارَةٌ عَنْ جِماعِها، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ التَّكْفِيرِ بَعْدَ العَوْدِ، ويَقْتَضِي قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾أنْ يَكُونَ التَّكْفِيرُ