< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إلى كُلِّ شَيْءٍ فَنَرْجُو مِن

صفحة ٢١٢

فَضْلِهِ أنْ يَجْعَلَها أسْهَلَ الأشْياءِ وِجْدانًا، قالَ الشّاعِرُ:

سُبْحانَ مَن خَصَّ العَزِيزَ بِعِزِّهِ والنّاسُ مُسْتَغْنُونَ عَنْ أجْناسِهِ

وأذَلَّ أنْفاسَ الهَواءِ وكُلُّ ذِي ∗∗∗ نَفْسٍ فَمُحْتاجٌ إلى أنْفاسِهِ

* * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، أيْ يَنْصُرُ دِينَهُ ويَنْصُرُ رُسُلَهُ بِاسْتِعْمالِ السُّيُوفِ والرِّماحِ وسائِرِ السِّلاحِ في مُجاهَدَةِ أعْداءِ الدِّينِ بِالغَيْبِ، أيْ غائِبًا عَنْهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُونَهُ ولا يُبْصِرُونَهُ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾[محمد: ٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِحُدُوثِ عِلْمِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ والجَوابُ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالعِلْمِ المَعْلُومَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِتَقَعَ نُصْرَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المِيزانَ والحَدِيدَ، ومُرادُهُ مِنَ العِبادِ أنْ يَقُومُوا بِالقِسْطِ وأنْ يَنْصُرُوا الرَّسُولَ، وإذا كانَ هَذا مُرادُهُ مِنَ الكُلِّ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُ المُجْبِرَةِ أنَّهُ أرادَ مِن بَعْضِهِمْ خِلافَ ذَلِكَ.

(جَوابُهُ) أنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ مِنَ الكُلِّ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ضِدَّهُ مَوْجُودٌ، وأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، وأنَّ المُحالَ غَيْرُ مُرادٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَمّا كانَتِ النُّصْرَةُ قَدْ تَكُونُ ظاهِرَةً، كَما يَقَعُ مِن مُنافِقٍ أوْ مِمَّنْ مُرادُهُ المَنافِعُ في الدُّنْيا، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي أرادَهُ النُّصْرَةُ بِالغَيْبِ، ومَعْناهُ أنْ تَقَعَ عَنْ إخْلاصٍ بِالقَلْبِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَوِيٌّ عَلى الأُمُورِ عَزِيزٌ لا يُمانَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ، وأنَّهُ أنْزَلَ المِيزانَ والحَدِيدَ، وأمَرَ الخَلْقَ بِأنْ يَقُومُوا بِنُصْرَتِهِمْ -أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى شَرَّفَ نُوحًا وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ جَعَلَ في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ، فَما جاءَ بَعْدَهُما أحَدٌ بِالنُّبُوَّةِ إلّا وكانَ مِن أوْلادِهِما، وإنَّما قَدَّمَ النُّبُوَّةَ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ كَمالَ حالِ النَّبِيِّ أنْ يَصِيرَ صاحِبَ الكِتابِ والشَّرْعِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٢١٣

المَسْألَةُ الأُولى: فَمِنهم مُهْتَدٍ، أيْ فَمِنَ الذُّرِّيَّةِ أوْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الإرْسالِ والمُرْسَلِينَ، والمَعْنى أنَّ مِنهم مُهْتَدٍ ومِنهم فاسِقٌ، والغَلَبَةُ لِلْفُسّاقِ، وفي الفاسِقِ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي ارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ يُطْلَقُ عَلى الكافِرِ وعَلى مَن لا يَكُونُ، كَذَلِكَ إذا كانَ مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالفاسِقِ هَهُنا الكافِرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الفُسّاقَ بِالضِّدِّ مِنَ المُهْتَدِينَ، فَكَأنَّ المُرادَ أنَّ فِيهِمْ مَن قَبِلَ الدِّينَ واهْتَدى، ومِنهم مَن لَمْ يَقْبَلْ ولَمْ يَهْتَدِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كافِرًا، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ الَّذِي عَصى قَدْ يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ إلى وجْهِ رُشْدِهِ ودِينِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَفّاهُ: أتْبَعَهُ بَعْدَ أنْ مَضى، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ بَعْضَهم بَعْدَ بَعْضٍ إلى أنِ انْتَهى إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهم وآتاهُ الإنْجِيلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ جِنِّي: قَرَأ الحَسَنُ: ”وآتَيْناهُ الأنْجِيلَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ثُمَّ قالَ: هَذا مِثالٌ لا نَظِيرَ لَهُ؛ لِأنَّ أفْعِيلَ وهو عِنْدَهم مِن نَجَلْتُ الشَّيْءَ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ؛ لِأنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ