< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تَعالى قالَ:﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾[الأنبياء: ٧٩] فَلَوْ كانَ تَسْبِيحًا عِبارَةً عَنْ دَلالَةِ الصُّنْعِ عَلى الصّانِعِ لَما كانَ في ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ لِحُجَّتَيْنِ:

أمّا الأُولى: فَلِأنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الأجْسامِ عَلى تَنْزِيهِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ مِن أدَقِّ الوُجُوهِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ العُقَلاءَ اخْتَلَفُوا فِيها، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ﴾ لَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى أقْوامٍ جَهِلُوا بِهَذِهِ الدَّلالَةِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ إشارَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ إشارَةً إلى جَمْعٍ مُعَيَّنٍ، فَهو خِطابٌ مَعَ الكُلِّ فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ هَؤُلاءِ ما فَقِهُوا ذَلِكَ، وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَفْقَهَهُ بَعْضُهم.

وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: فَضَعِيفَةٌ لِأنَّ هُناكَ مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ حَياةً في الجَبَلِ حَتّى نَطَقَ بِالتَّسْبِيحِ، أمّا هَذِهِ الجَماداتُ الَّتِي تَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ يَسْتَحِيلُ أنْ يُقالَ: إنَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ عَلى سَبِيلِ النُّطْقِ بِذَلِكَ التَّسْبِيحِ، إذْ لَوْ جَوَّزْنا صُدُورَ الفِعْلِ المُحْكَمِ عَنِ الجَماداتِ لَما أمْكَنَنا أنْ نَسْتَدِلَّ بِأفْعالِ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِهِ عالِمًا حَيًّا، وذَلِكَ كُفْرٌ، بَلِ الحَقُّ أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي هو القَوْلُ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ العاقِلِ العارِفِ بِاللَّهِ تَعالى، فَيَنْوِي بِذَلِكَ القَوْلِ تَنْزِيهَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَصِحُّ مِنَ الجَماداتِ، فَإذا التَّسْبِيحُ العامُّ الحاصِلُ مِنَ العاقِلِ والجَمادِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِأحَدِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّها تُسَبِّحُ بِمَعْنى أنَّها تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَنْزِيهِهِ.

والثّانِي: أنَّ المُمْكِناتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ يُرِيدُ لَيْسَ لَهُ عَنْ فِعْلِهِ وتَكْوِينِهِ مانِعٌ ولا دافِعٌ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا التَّسْبِيحَ المَذْكُورَ في الآيَةِ عَلى التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ، كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾ مَن في السَّماواتِ ومِنهم حَمَلَةُ العَرْشِ: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ﴾[فصلت: ٣٨] ومِنهُمُ المُقَرَّبُونَ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾[سبأ: ٤١] وأمّا المُسَبِّحُونَ الَّذِينَ هم في الأرْضِ فَمِنهُمُ الأنْبِياءُ كَما قالَ ذُو النُّونِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾[الأنبياء: ٨٧] وقالَ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾[الأعراف: ١٤٣] والصَّحابَةُ يُسَبِّحُونَ كَما قالَ: ﴿سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾[آل عمران: ١٩١] وأمّا إنْ حَمَلْنا هَذا التَّسْبِيحَ عَلى التَّسْبِيحِ المَعْنَوِيِّ: فَأجْزاءُ السَّماواتِ وذَرّاتُ الأرْضِ والجِبالُ والرِّمالُ والبِحارُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ والجَنَّةُ والنّارُ والعَرْشُ والكُرْسِيُّ واللَّوْحُ والقَلَمُ والنُّورُ والظُّلْمَةُ والذَّواتُ والصِّفاتُ والأجْسامُ

صفحة ١٨١

والأعْراضُ كُلُّها مُسَبِّحَةٌ خاشِعَةٌ خاضِعَةٌ لِجَلالِ اللَّهِ مُنْقادَةٌ لِتَصَرُّفِ اللَّهِ كَما قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾[الإسراء: ٤٤] وهَذا التَّسْبِيحُ هو المُرادُ بِالسُّجُودِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾[الرعد: ١٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يُنازِعُهُ شَيْءٌ، فَهو إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ العالِمُ الَّذِي لا يَحْتَجِبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ أوْ أنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ أفْعالَهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ، ولَمّا كانَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا مُتَقَدِّمًا عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا لا جَرَمَ قَدَّمَ العَزِيزَ عَلى الحَكِيمِ في الذِّكْرِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ إلّا هو؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُفِيدُ الحَصْرَ، يُقالُ: زَيْدٌ هو العالِمُ لا غَيْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الواحِدُ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِعَزِيزٍ ولا حَكِيمٍ وما لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَكُونُ إلَهًا.

واعْلَمْ أنَّ المَلِكَ الحَقَّ هو الَّذِي يَسْتَغْنِي في ذاتِهِ، وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ، ويَحْتاجُ كُلُّ ما عَداهُ إلَيْهِ في ذَواتِهِمْ وفي صِفاتِهِمْ، والمَوْصُوفُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَيْسَ إلّا