< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ قَوْمٌ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ إنَّما تَقَعُ عِنْدَ المَوْقِفِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ:﴿انْظُرُونا﴾ انْظُرُوا إلَيْنا؛ لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمْ، فَقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، ومَتى أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ وكانَتْ أنْوارُهم مِن قُدّامِهِمُ اسْتَضاءُوا بِتِلْكَ الأنْوارِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ إنَّما تَقَعُ عِنْدَ مَسِيرِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُونا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو الِانْتِظارَ وأنْ يَكُونَ النَّظَرَ إلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَبَسُ: الشُّعْلَةُ مِنَ النّارِ أوِ السِّراجِ، والمُنافِقُونَ طَمِعُوا في شَيْءٍ مِن أنْوارِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَقْتَبِسُوهُ كاقْتِباسِ نِيرانِ الدُّنْيا وهو مِنهم جَهْلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأنْوارَ نَتائِجُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا، فَلَمّا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الأعْمالُ في الدُّنْيا امْتَنَعَ حُصُولُ تِلْكَ الأنْوارِ في الآخِرَةِ. قالَ الحَسَنُ: يُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ كُلُّ أحَدٍ نُورًا عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُؤْخَذُ مِن حَرِّ جَهَنَّمَ ومِمّا فِيهِ مِنَ الكَلالِيبِ والحَسَكِ ويُلْقى عَلى الطَّرِيقِ، فَتَمْضِي زُمْرَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ تَمْضِي زُمْرَةٌ أُخْرى كَأضْواءِ الكَواكِبِ في السَّماءِ، ثُمَّ عَلى ذَلِكَ تَغْشاهم ظُلْمَةٌ فَتُطْفِئُ نُورَ المُنافِقِينَ، فَهُنالِكَ يَقُولُ المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ كَقَبَسِ النّارِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ: ارْجِعُوا إلى دارِ الدُّنْيا فالتَمِسُوا هَذِهِ الأنْوارَ هُنالِكَ، فَإنَّ هَذِهِ الأنْوارَ إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ اكْتِسابِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والتَّنَزُّهِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، والمُرادُ مِن ضَرْبِ السُّورِ هو امْتِناعُ العَوْدِ إلى الدُّنْيا.

وثانِيها: قالَ أبُو أُمامَةَ: النّاسُ يَكُونُونَ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ، ثُمَّ المُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ الأنْوارَ، فَإذا أسْرَعَ المُؤْمِنُ في الذَّهابِ قالَ المُنافِقُ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَيُقالُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ قالَ: وهي خُدْعَةٌ خُدِعَ بِها المُنافِقُونَ، كَما قالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾[النساء: ١٤٢] فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ فَيَجِدُونَ السُّورَ مَضْرُوبًا

صفحة ١٩٧

بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ارْجِعُوا﴾ مَنعُ المُنافِقِينَ عَنِ الِاسْتِضاءَةِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يُرِيدُ القُرْبَ مِنهُ: وراءَكَ أُوَسِّعُ لَكَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعُوا﴾ أنْ يَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى وِجْدانِ هَذا المَطْلُوبِ البَتَّةَ، لا أنَّهُ أمْرٌ لَهم بِالرُّجُوعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في السُّورِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِنهُ الحِجابُ والحَيْلُولَةُ، أيِ المُنافِقُونَ مُنِعُوا عَنْ طَلَبِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ حائِطٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو حِجابُ الأعْرافِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِسُورٍ﴾ صِلَةٌ وهو لِلتَّأْكِيدِ، والتَّقْدِيرُ: ضُرِبَ بَيْنَهم سُورٌ كَذا، قالَهُ الأخْفَشُ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهُ بابٌ﴾ أيْ لِذَلِكَ السُّورِ بابٌ ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أيْ في باطِنِ ذَلِكَ السُّورِ الرَّحْمَةُ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ الجَنَّةُ الَّتِي فِيها المُؤْمِنُونَ ﴿وظاهِرُهُ﴾ يَعْنِي وخارِجَ السُّورِ ﴿مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ أيْ مِن قِبَلِهِ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، والمَعْنى أنَّ ما يَلِي المُؤْمِنِينَ فَفِيهِ الرَّحْمَةُ، وما يَلِي الكافِرِينَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ العَذابُ، والحاصِلُ أنَّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حائِطٌ وهو السُّورُ، ولِذَلِكَ السُّورِ بابٌ، فالمُؤْمِنُونَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ مِن بابِ ذَلِكَ السُّورِ، والكافِرُونَ يَبْقَوْنَ في العَذابِ والنّارِ.

﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ