< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah057
Al-Hadid (57)
The Iron, madinah, 29 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الفاءِ، وابْنَ
صفحة ١٩٤
عامِرٍ بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ ”فَيُضاعِفَهُ“ بِالألِفِ وفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”فَيُضاعِفُهُ“ بِالألِفِ وضَمِّ الفاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يُضاعَفُ ويُضَعَّفُ بِمَعْنًى، إنَّما الشَّأْنُ في تَعْلِيلِ قِراءَةِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ، أمّا الرَّفْعُ فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُقْرِضُ“، أوْ عَلى الِانْقِطاعِ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَهو يُضاعَفُ، وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَوَجْهُها أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ قَرْضًا حَسَنًا ؟ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ جَوابًا عَنِ الِاسْتِفْهامِ فَحِينَئِذٍ يُنْصَبُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿يَوْمَ تَرى﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أوْ مَنصُوبٌ بِـ”اذْكُرْ“ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذا اليَوْمِ هو يَوْمُ المُحاسَبَةِ، واخْتَلَفُوا في هَذا النُّورِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ قَوْمٌ: المُرادُ نَفْسُ النُّورِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّ كُلَّ مُثابٍ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ النُّورُ عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ وثَوابِهِ في العِظَمِ والصِّغَرِ» “ فَعَلى هَذا مَراتِبُ الأنْوارِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنهم مَن يُضِيءُ لَهُ نُورٌ كَما بَيْنَ عَدَنَ إلى صَنْعاءَ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، ومِنهم مَن لا يُضِيءُ لَهُ نُورٌ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، وأدْناهم نُورًا مَن يَكُونُ نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ يَنْطَفِئُ مَرَّةً ويَتَّقِدُ أُخْرى، وهَذا القَوْلُ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وقالَ مُجاهِدٌ: ما مِن عَبْدٍ إلّا ويُنادى يَوْمَ القِيامَةِ: يا فُلانُ ها نُورُكَ، ويا فُلانُ لا نُورَ لَكَ، نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ النُّورِ أنَّ النُّورَ الحَقِيقِيَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ نُورَ العِلْمِ الَّذِي هو نُورُ البَصِيرَةِ أوْلى بِكَوْنِهِ نُورًا مِن نُورِ البَصَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ هي النُّورُ في القِيامَةِ، فَمَقادِيرُ الأنْوارِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى حَسَبِ مَقادِيرِ المَعارِفِ في الدُّنْيا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ النُّورِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ، وإنَّما قالَ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ لِأنَّ السُّعَداءَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، كَما أنَّ الأشْقِياءَ يُؤْتَوْنَها مِن شَمائِلِهِمْ ووَراءِ ظُهُورِهِمْ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا النُّورِ الهِدايَةُ إلى الجَنَّةِ، كَما يُقالُ: لَيْسَ لِهَذا الأمْرِ نُورٌ، إذا لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ حاصِلًا، ويُقالُ: هَذا الأمْرُ لَهُ نُورٌ ورَوْنَقٌ، إذا كانَ المَقْصُودُ حاصِلًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ ”وبِإيمانِهِمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِإيمانِهِمْ حَصَلَ ذَلِكَ السَّعْيُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾[الحج: ١٠] أيْ ذَلِكَ كائِنٌ بِذَلِكَ.
* *
* * *ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: حَقِيقَةُ البِشارَةِ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[البقرة: ٢٥] ثُمَّ قالُوا: تَقْدِيرُ
صفحة ١٩٥
الآيَةِ: وتَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ: بُشْراكُمُ اليَوْمَ، كَما قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾[الرعد: ٢٣ - ٢٤] .المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَنالُهم أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ صِفَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، فَقالَ: لَوْ كانَ مُؤْمِنًا لَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ البِشارَةِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقَطَعَ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. والجَوابُ: أنَّ الفاسِقَ قاطِعٌ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ أوْ إنْ دَخَلَها لَكِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنها وسَيَدْخُلُ