< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المُرادُ مِنَ الإنْسانِ ؟ نَقُولُ: هو الجِنْسُ، وقِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ آدَمُ والأوَّلُ أصَحُّ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ في (خَلَقَ) ويَدْخُلُ فِيهِ مُحَمَّدٌ وآدَمُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما البَيانُ وكَيْفَ تَعْلِيمُهُ ؟ نَقُولُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: البَيانُ المَنطِقُ فَعَلَّمَهُ ما يَنْطِقُ بِهِ ويَفْهَمُ غَيْرُهُ ما عِنْدَهُ، فَإنَّ بِهِ يَمْتازُ الإنْسانُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ إشارَةٌ إلى تَقْدِيرِ خَلْقِ جِسْمِهِ الخاصِّ، و﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ إشارَةٌ إلى تَمَيُّزِهِ بِالعِلْمِ عَنْ غَيْرِهِ. وقَدْ خَرَجَ ما ذَكَرْنا أوَّلًا أنَّ البَيانَ هو القُرْآنُ، وأعادَهُ لِيُفَصِّلَ ما ذَكَرَهُ إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ كَما قُلْنا في المِثالِ حَيْثُ يَقُولُ القائِلُ: عَلَّمْتُ فُلانًا الأدَبَ حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فالبَيانُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ ما فِيهِ المَصْدَرُ، وإطْلاقُ البَيانِ بِمَعْنى القُرْآنِ عَلى القُرْآنِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾[آل عمران: ١٣٨] وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى القُرْآنَ فُرْقانًا وبَيانًا، والبَيانُ فُرْقانٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَصَحَّ إطْلاقُ البَيانِ، وإرادَةُ القُرْآنِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كَيْفَ صَرَّحَ بِذِكْرِ المَفْعُولَيْنِ في عِلْمِهِ البَيانَ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِما في عِلْمِ القُرْآنِ نَقُولُ: أما إنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ عَلَّمَ القُرْآنَ هو أنَّهُ عَلَّمَ الإنْسانَ القُرْآنَ، فَنَقُولُ حَذَفَهُ لِعِظَمِ نِعْمَةِ التَّعْلِيمِ وقَدَّمَ ذِكْرَهُ عَلى مَن عَلَّمَهُ وعَلى بَيانِ خَلْقِهِ، ثُمَّ فَصَّلَ بَيانَ كَيْفِيَّةِ تَعْلِيمِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾﴿عَلَّمَهُ﴾ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ، وأمّا إنْ قُلْنا: المُرادُ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ المَلائِكَةَ فَلِأنَّ المَقْصُودَ تَعْدِيدُ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ ومُطالَبَتُهُ بِالشُّكْرِ ومَنعُهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِهِ، وتَعْلِيمُهُ لِلْمَلائِكَةِ لا يَظْهَرُ لِلْإنْسانِ أنَّهُ فائِدَةٌ راجِعَةٌ إلى الإنْسانِ، وأمّا تَعْلِيمُ الإنْسانِ فَهي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ، فَقالَ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ تَعْدِيدًا لِلنِّعَمِ عَلَيْهِ ومِثْلُ هَذا قالَ في: ﴿اقْرَأْ﴾[العلق: ١] قالَ مَرَّةً: ﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾[العلق: ١] مِن غَيْرِ بَيانِ المُعَلَّمِ، ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: ٤] وهو البَيانُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ حَصَلَ العِلْمُ بِها بِتَعْلِيمِ اللَّهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ وفي التَّرْتِيبِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَحْمَنًا وأشارَ إلى ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ وهو القُرْآنُ ذَكَرَ نِعَمَهُ وبَدَأ بِخَلْقِ الإنْسانِ فَإنَّهُ نِعْمَةٌ جَمِيعُ النِّعَمِ بِهِ تَتِمُّ، ولَوْلا وُجُودُهُ لَما انْتُفِعَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَةَ الإدْراكِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾وهو كالوُجُودِ إذْ لَوْلاهُ لَما حَصَلَ النَّفْعُ والِانْتِفاعُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَ المَعْلُوماتِ نِعْمَتَيْنِ ظاهِرَتَيْنِ هُما أظْهَرُ أنْواعِ النِّعَمِ السَّماوِيَّةِ وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ ولَوْلا الشَّمْسُ لَما زالَتِ الظُّلْمَةُ، ولَوْلا القَمَرُ لَفاتَ كَثِيرٌ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ، بِخِلافِ غَيْرِهِما مِنَ الكَواكِبِ، فَإنَّ نِعَمَها لا تَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِثْلَ ما تَظْهَرُ نِعْمَتُهُما، ثُمَّ بَيَّنَ كَمالَ نَفْعِهِما في حَرَكَتِهِما بِحِسابٍ لا يَتَغَيَّرُ، ولَوْ كانَتِ الشَّمْسُ ثابِتَةً في مَوْضِعٍ لَما انْتَفَعَ بِها أحَدٌ، ولَوْ كانَ سَيْرُها غَيْرَ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ لَما انْتَفَعُوا بِالزِّراعاتِ في أوْقاتِها، وبِناءُ الأمْرِ عَلى الفُصُولِ، ثُمَّ بَيَّنَ في مُقابِلَتِهِما نِعْمَتَيْنِ ظاهِرَتَيْنِ مِنَ الأرْضِ وهُما النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، والَّذِي لَهُ ساقٌ، فَإنَّ الرِّزْقَ أصْلُهُ مِنهُ، ولَوْلا النَّباتُ لَما كانَ لِلْآدَمِيِّ رِزْقٌ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، وأصْلُ النِّعَمِ عَلى الرِّزْقِ الدّارِّ، وإنَّما قُلْنا: النَّباتُ هو أصْلُ الرِّزْقِ لِأنَّ الرِّزْقَ إمّا نَباتِيٌّ وإمّا حَيَوانِيٌّ كاللَّحْمِ واللَّبَنِ وغَيْرِهِما مِن أجْزاءِ الحَيَوانِ، ولَوْلا النَّباتُ لَما عاشَ الحَيَوانُ والنَّباتُ وهو الأصْلُ، وهو