< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
نَظَرَ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ رَآها في غايَةِ العَظَمَةِ فَهو خاشٍ، لَكِنَّ دَرَجَةَ الخاشِي فَوْقَ دَرَجَةِ الخائِفِ، فَلِهَذا قالَ:﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ جَعَلَهُ مُنْحَصِرًا فِيهِمْ لِأنَّهم وإنْ فَرَضُوا أنْفُسَهم عَلى غَيْرِ ما هم عَلَيْهِ، وقَدَّرُوا أنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْهم جَمِيعَ ما هم فِيهِ مِنَ الحَوائِجِ لا يَتْرُكُونَ خَشْيَتَهُ، بَلْ تَزْدادُ خَشْيَتُهم، وأمّا الَّذِي يَخافُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُفْقِرُهُ أوْ يَسْلُبُ جاهَهُ، فَرُبَّما يَقِلُّ خَوْفُهُ إذا أمِنَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وإذا كانَ هَذا لِلْخائِفِ فَما ظَنُّكَ بِالخاشِي ؟ الثّالِثَةُ: لَمّا ذَكَرَ الخَوْفَ ذَكَرَ المَقامَ، وعِنْدَ الخَشْيَةِ ذَكَرَ اسْمَهُ الكَرِيمَ فَقالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ﴾ وقالَ: ﴿لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[الحشر: ٢١] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خَشْيَةُ اللَّهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ» لِأنَّهُ يَعْرِفُ رَبَّهُ بِالعَظَمَةِ فَيَخْشاهُ. وفي مَقامِ رَبِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَقامُ رَبِّهِ أيِ المَقامُ الَّذِي يَقُومُ هو فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، وهو مَقامُ عِبادَتِهِ كَما يُقالُ: هَذا مَعْبَدُ اللَّهِ وهَذا مَعْبَدُ البارِي أيِ المَقامُ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ العَبْدُ فِيهِ. والثّانِي: مَقامُ رَبِّهِ المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ اللَّهُ قائِمٌ عَلى عِبادِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾[الرعد: ٣٣] أيْ حافِظٌ ومُطَّلِعٌ أخْذًا مِنَ القائِمِ عَلى الشَّيْءِ حَقِيقَةً الحافِظِ لَهُ فَلا يَغِيبُ عَنْهُ، وقِيلَ: مَقامٌ مُقْحَمٌ يُقالُ: فُلانٌ يَخافُ جانِبَ فُلانٍ أيْ يَخافُ فُلانًا وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ غايَةَ الظُّهُورِ بَيْنَ الخائِفِ والخاشِي، لِأنَّ الخائِفَ خافَ مَقامَ رَبِّهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فالخاشِي لَوْ قِيلَ لَهُ: افْعَلْ ما تُرِيدُ فَإنَّكَ لا تُحاسَبُ ولا تُسْألُ عَمّا تَفْعَلُ، لَما كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِ التَّعْظِيمِ، والخائِفُ رُبَّما كانَ يُقْدِمُ عَلى مَلاذِّ نَفْسِهِ لَوْ رُفِعَ عَنْهُ القَلَمُ وكَيْفَ لا، ويُقالُ: خاصَّةُ اللَّهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ واقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ سابِحُونَ في مُطالَعَةِ جَمالِهِ غائِصُونَ في بِحارِ جَلالِهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي قَرُبَ الخائِفُ مِنَ الخاشِي وبَيْنَهُما فَرْقٌ. الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿جَنَّتانِ﴾ وهَذِهِ اللَّطِيفَةُ نُبَيِّنُها بَعْدَما نَذْكُرُ ما قِيلَ في التَّثْنِيَةِ، قالَ بَعْضُهم: المُرادُ جَنَّةٌ واحِدَةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾[ق: ٢٤] وتَمَسَّكَ بِقَوْلِ القائِلِ:
ومَهْمَهَيْنِ سَرَتْ مَرَّتَيْنِ قَطَعْتُهُ بِالسَّهْمِ لا السَّهْمَيْنِ
فَقالَ: أرادَ مَهْمَهًا واحِدًا بِدَلِيلِ تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ في قَطَعْتُهُ وهو باطِلٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ بِالسَّهْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مَهْمَهانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَهْمَهًا واحِدًا لَما كانُوا في قَطَعْتُهُ يَقْصِدُونَ جَدَلًا، بَلْ يَقْصِدُونَ التَّعَجُّبَ وهو إرادَتُهُ قَطْعَ مَهْمَهَيْنِ بِأُهْبَةٍ واحِدَةٍ وسَهْمٍ واحِدٍ وهو مِنَ العَزْمِ القَوِيِّ، وأمّا الضَّمِيرُ فَهو عائِدٌ إلى مَفْهُومٍ تَقْدِيرُهُ قَطَعْتُ كِلَيْهِما وهو لَفْظٌ مَقْصُورٌ مَعْناهُ التَّثْنِيَةُ ولَفْظُهُ لِلْواحِدِ، يُقالُ: كِلاهُما مَعْلُومٌ ومَجْهُولٌ، قالَ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾[الكهف: ٣٣] فَوَحَّدَ اللَّفْظَ ولا حاجَةَ هَهُنا إلى التَّعَسُّفِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُعْطِيَ اللَّهُ جَنَّتَيْنِ وجِنانًا عَدِيدَةً، وكَيْفَ وقَدْ قالَ بَعْدُ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ فِيهِما. والثّانِي وهو الصَّحِيحُ أنَّهُما جَنَّتانِ وفِيهِ وُجُوهٌ:أحَدُها: أنَّهُما جَنَّةٌ لِلْجِنِّ وجَنَّةٌ لِلْإنْسِ لِأنَّ المُرادَ هَذانِ النَّوْعانِ.
وثانِيهِما: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.
وثالِثُها: جَنَّةٌ هي جَزاءٌ وجَنَّةٌ أُخْرى زِيادَةٌ عَلى الجَزاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: جَنَّتانِ جَنَّةٌ جِسْمِيَّةٌ والأُخْرى رُوحِيَّةٌ، فالجِسْمِيَّةُ في نَعِيمٍ والرُّوحِيَّةُ في رَوْحٍ فَكانَ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾
صفحة ١٠٩
[الواقعة: ٨٩] وذَلِكَ لِأنَّ الخائِفَ مِنَ المُقَرَّبِينَ، والمُقَرَّبُ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ.وأمّا اللَّطِيفَةُ: