< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إذا قِيلَ لَهُ: أوْضاعُ الكَواكِبِ لِمَ اخْتَلَفَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أوْجَبَ البَرْدَ في بَعْضِ الأرْضِ دُونَ بَعْضٍ آخَرَ صارَ كَما قالَ تَعالى:﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾[البقرة: ٢٥٨] ويَرْجِعُ إلى الحَقِّ إنْ هَداهُ اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا كانَ المَرَجُ بِمَعْنى الخَلْطِ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أرْسَلَ بَعْضَهُما في بَعْضٍ وهُما عِنْدَ الإرْسالِ بِحَيْثُ يَلْتَقِيانِ أوْ مِن شَأْنِهِما الِاخْتِلاطُ والِالتِقاءُ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُما عَمّا في طَبْعِهِما، وعَلى هَذا يَلْتَقِيانِ حالٌ مِنَ البَحْرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مِن مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُما تَرْكُهُما، فَهُما يَلْتَقِيانِ إلى الآنَ ولا يَمْتَزِجانِ، وعَلى الأوَّلِ: فالفائِدَةُ إظْهارُ القُدْرَةِ في النَّفْعِ، فَإنَّهُ إذا أرْسَلَ الماءَيْنِ بَعْضَهُما عَلى بَعْضٍ وفي طَبْعِهِما بِخَلْقِ اللَّهِ وعادَتُهُ السَّيَلانُ والِالتِقاءُ ويَمْنَعُهُما البَرْزَخُ الَّذِي هو قُدْرَةُ اللَّهِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، يَكُونُ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ مِمّا إذا لَمْ يَكُونا عَلى حالِ يَلْتَقِيانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَسْألَةٍ حِكْمِيَّةٍ وهي: أنَّ الحُكَماءَ المُحَقِّقِينَ ذَلِكَ بِإجْراءِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ وعِنْدَ مَن يَدَّعِي الحِكْمَةَ ولَمْ يُوَفِّقْهُ اللَّهُ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ يَقُولُ ذَلِكَ لَهُ بِطَبْعِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِما أنْ يَكُونَ مَكانُهُما واحِدًا، ثُمَّ إنَّهُما بَقِيا في مَكانٍ مُتَمَيِّزَيْنِ فَذَلِكَ بُرْهانُ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ.
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: الفائِدَةُ في بَيانِ القُدْرَةِ أيْضًا عَلى المَنعِ مِنَ الِاخْتِلاطِ، فَإنَّ الماءَيْنِ إذا تَلاقَيا لا يَمْتَزِجانِ في الحالِ بَلْ يَبْقَيانِ زَمانًا يَسِيرًا كالماءِ المُسَخَّنِ إذا غُمِسَ إناءٌ مَمْلُوءٌ مِنهُ في ماءٍ بارِدٍ إنْ لَمْ يَمْكُثْ فِيهِ زَمانًا لا يَمْتَزِجُ بِالبارِدِ، لَكِنْ إذا دامَ مُجاوَرَتُهُما فَلا بُدَّ مِنَ الِامْتِزاجِ فَقالَ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّاهُما ذَهابًا إلى أنْ يَلْتَقِيا ولا يَمْتَزِجا فَذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا مِن مَنعِهِ إيّاهُما مِنَ الجَرَيانِ عَلى عادَتِهِما، والبَرْزَخُ الحاجِزُ وهو قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى في البَعْضِ وبِقُدْرَةِ اللَّهِ في الباقِي، فَإنَّ البَحْرَيْنِ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُما حاجِزٌ أرْضِيٌّ مَحْسُوسٌ وقَدْ لا يَكُونُ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ البَغْيِ أيْ لا يَظْلِمُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِخِلافِ قَوْلِ الطَّبِيعِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: الماءانِ كِلاهُما جُزْءٌ واحِدٌ، فَقالَ: هُما لا يَبْغِيانِ ذَلِكَ. وثانِيهِما: أنْ يُقالَ: لا يَبْغِيانِ مِنَ البَغْيِ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْ لا يَطْلُبانِ شَيْئًا، وعَلى هَذا فَفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهُو أنْ يُقالَ: إنَّ يَبْغِيانِ لا مَفْعُولَ لَهُ مُعَيَّنٌ، بَلْ هو بَيانُ أنَّهُما لا يَبْغِيانِ في ذاتِهِما ولا يَطْلُبانِ شَيْئًا أصْلًا، بِخِلافِ ما يَقُولُ الطَّبِيعِيُّ: إنَّهُ يَطْلُبُ الحَرَكَةَ والسُّكُونَ في مَوْضِعٍ عَنْ مَوْضِعٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في القِراءاتِ الَّتِي فِيها قُرِئَ يَخْرُجُ مِن خَرَجَ، ويُخْرَجُ بِفَتْحِ الرّاءِ مِن أخْرَجَ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فاللُّؤْلُؤُ والمَرْجانِ مَرْفُوعانِ، ويُخْرِجُ بِكَسْرِ الرّاءِ بِمَعْنى يُخْرِجُ اللَّهُ ونُخْرِجُ بِالنُّونِ المَضْمُومَةِ والرّاءِ المَكْسُورَةِ، وعَلى القِراءَتَيْنِ يُنْصَبُ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، اللُّؤْلُؤُ كِبارُ الدُّرِّ والمَرْجانُ صِغارُهُ، وقِيلَ: المَرْجانُ هو الحَجَرُ الأحْمَرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللُّؤْلُؤُ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المالِحِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿مِنهُما﴾ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ الَّذِي لا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ، ومَن عَلِمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟ وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ وما وجَدُوهُ إلّا فِيهِ، لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ لا يُوجَدَ في الغَيْرِ سَلَّمْنا لِمَ قُلْتُمْ: أنَّ الصَّدَفَ يَخْرُجُ