< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ:﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وهو خالِدٌ في النّارِ فَهَلْ هو صَحِيحٌ أمْ لا ؟ نَقُولُ لَنا نَظَرٌ إلى اللَّفْظِ فَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِتَعَسُّفٍ ونَظَرٍ إلى المَعْنى لا يَصِحُّ إلّا بِأنْ يَعُودَ إلى ما ذَكَرْناهُ، أمّا التَّصْحِيحُ فَبِحَذْفِ كَمَن في المَرَّةِ الثّانِيَةِ أوْ جَعْلِهِ بَدَلًا عَنِ المُتَقَدِّمِ أوْ بِإضْمارِ عاطِفٍ يَعْطِفُ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ عَلى: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ أوْ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾، وأمّا التَّعَسُّفُ فَبَيِّنٌ نَظَرًا إلى الحَذْفِ وإلى الإضْمارِ مَعَ الفاصِلِ الطَّوِيلِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، وأمّا طَرِيقَةُ البَدَلِ فَفاسِدَةٌ وإلّا لَكانَ الِاعْتِمادُ عَلى الثّانِي فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَمَن هو خالِدٌ ؟ وهو سَمِجٌ في التَّشْبِيهِ تَعالى كَلامُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، والقَوْلُ في إضْمارِ العاطِفِ كَذَلِكَ لِأنَّ المَعْطُوفَ أيْضًا يَصِيرُ مُسْتَقِلًّا في التَّشْبِيهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: المَجْمُوعُ بِالمَجْمُوعِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وهو في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمِلِهِ وهو خالِدٌ في النّارِ ؟ وعَلى هَذا تَقَعُ المُقابَلَةُ بَيْنَ مَن هو عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وبَيْنَ مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وبَيْنَ مَن في الجَنَّةِ وبَيْنَ مَن هو خالِدٌ في النّارِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ فَلا حاجَةَ إلى خَلْطِ الآيَةِ بِالآيَةِ، وكَيْفَ وعَلى ما قالَهُ تَقَعُ المُقابَلَةُ بَيْنَ مَن هو في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا وبَيْنَ مَن هو عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وأيَّةُ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما، بِخِلافِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الوُجُوهِ الأُخَرِ، فَإنَّ المُقابَلَةَ بَيْنَ الجَنَّةِ الَّتِي فِيها الأنْهارُ وبَيْنَ النّارِ الَّتِي فِيها الماءُ الحَمِيمُ وذَلِكَ تَشْبِيهُ إنْكارٍ مُناسِبٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ الواحِدِ وقالَ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ عَلى المَعْنى وهو جَمْعٌ وكَذَلِكَ قالَ مِن قَبْلُ: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ والإفْرادِ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ عَلى الجَمْعِ فَما الوَجْهُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: المُسْنَدُ إلى ”مَن“ إذا كانَ مُتَّصِلًا فَرِعايَةُ اللَّفْظِ أوْلى لِأنَّهُ هو المَسْمُوعُ، إذا كانَ مَعَ انْفِصالٍ فالعَوْدُ إلى المَعْنى أوْلى، لِأنَّ اللَّفْظَ لا يَبْقى في السَّمْعِ، والمَعْنى يَبْقى في ذِهْنِ السّامِعِ فالحَمْلُ في الثّانِي عَلى المَعْنى أوْلى، وحَمْلُ الأوَّلِ عَلى اللَّفْظِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ في سائِرِ المَواضِعِ: ﴿مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾[الكَهْفِ: ٨٨] وفَمَن تابَ وأصْلَحَ ؟ نَقُولُ: إذا كانَ المَعْطُوفُ مُفْرَدًا أوْ شَبِيهًا

صفحة ٥٠

بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في المَعْنى فالأوْلى أنْ يَخْتَلِفا كَما ذَكَرْتُ فَإنَّهُ عَطْفُ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ومُعَذَّبٌ فِيها لِأنَّ المُشابَهَةَ تُنافِي المُخالَفَةَ، وأمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَما في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُقُوا ماءً﴾ جُمْلَةٌ غَيْرُ مُشابِهَةٍ لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ خالِدٌ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ بَيانٌ لِمُخالَفَتِهِمْ في سائِرِ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَهم أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ولَهم ماءٌ حَمِيمٌ، فَإنْ قِيلَ: المُشابَهَةُ الإنْكارِيَّةُ بِالمُخالَفَةِ عَلى ما ثَبَتَ، وقَدْ ذَكَرْتُ البَعْضَ وقُلْتُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ في مُقابَلَةِ: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ و(مِن رَبِّهِ) في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ والجَنَّةُ في مُقابَلَةِ النّارِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدٌ في النّارِ﴾ والماءُ الحَمِيمُ في مُقابَلَةِ الأنْهارِ، فَأيْنَ ما يُقابِلُ قَوْلَهُ: ﴿ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ﴾فَنَقُولُ: تَقَطُّعُ الأمْعاءِ في مُقابَلَةِ مَغْفِرَةٍ؛ لِأنّا بَيَّنّا عَلى أحَدِ الوُجُوهِ أنَّ المَغْفِرَةَ الَّتِي في الجَنَّةِ هي تَعْرِيَةٌ أكْلِ الثَّمَراتِ عَمّا يَلْزَمُهُ مِن قَضاءِ