< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِهِمْ، فاصْبِرْ كَما صَبَرَ رُسُلُهم، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ مَعَ أنَّ الإهْلاكَ ماضٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ ؟ والجَوابُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الحِكايَةِ والحِكايَةُ كالحالِ الحاضِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أهْلَكْناهم في الدُّنْيا فَلا ناصِرَ لَهم يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ عائِدٌ إلى أهْلِ قَرْيَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: أهْلَكْنا مَن تَقَدَّمَ أهْلَ قَرْيَتِكَ ولا ناصِرَ لِأهْلِ قَرْيَتِكَ يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم مِمّا جَرى عَلى الأوَّلِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى الفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ والكُفّارِ لِيَعْلَمَ أنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ ونُصْرَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّنْيا مُحَقَّقٌ، وأنَّ الحالَ يُناسِبُ تَعْذِيبَ الكافِرِ وإثابَةَ المُؤْمِنِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ فَرْقٌ فارِقٌ، وقَوْلُهُ: (مِن رَبِّهِ) مُكَمِّلٌ لَهُ، وذَلِكَ أنَّ البَيِّنَةَ إذا كانَتْ نَظَرِيَّةً تَكُونُ كافِيَةً لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُتَمَسِّكِ بِها وبَيْنَ القائِلِ قَوْلًا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَإذا كانَتِ البَيِّنَةُ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ أقْوى وأظْهَرَ فَتَكُونُ أعْلى وأبْهَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: (مِن رَبِّهِ) لَيْسَ المُرادُ إنْزالَها مِنهُ بَلِ المُرادُ كَوْنُها مِنَ الرَّبِّ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾[البَقَرَةِ: ١٤٢] وقَوْلُنا الهِدايَةُ مِنَ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فَرْقٌ فارِقٌ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ تَكْمِلَةٌ. وذَلِكَ أنَّ مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وراجَتِ الشُّبْهَةُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ مَن يَتَبَيَّنُ لَهُ البُرْهانُ وقَبِلَهُ، لَكِنَّ مَن راجَتِ الشُّبْهَةُ عَلَيْهِ قَدْ يَتَفَكَّرُ في الأمْرِ ويَرْجِعُ إلى الحَقِّ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مَن هو عَلى البُرْهانِ، وقَدْ يَتَّبِعُ هَواهُ ولا يَتَدَبَّرُ في البُرْهانِ ولا يَتَفَكَّرُ في البَيانِ فَيَكُونُ في غايَةِ البُعْدِ، فَإذَنْ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنُ مَعَ الكافِرِ في طَرَفَيِ التَّضادِّ وغايَةِ التَّباعُدِ حَتّى مَدَّهم بِالبَيِّنَةِ، والكافِرُ لَهُ الشُّبْهَةُ وهو مَعَ اللَّهِ وأُولَئِكَ مَعَ الهَوى وعَلى قَوْلِنا: (مِن رَبِّهِ) مَعْناهُ الإضافَةُ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِنا الهِدايَةُ مِنَ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ القَوْلِ يُفِيدُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾[النِّساءِ: ٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ بِصِيغَةِ التَّوْحِيدِ مَحْمُولٌ عَلى لَفْظَةِ مَن، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَعْناهُ فَإنَّها لِلْجَمِيعِ والعُمُومِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّزْيِينَ لِلْكُلِّ عَلى حَدٍّ واحِدٍ فَحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِقُرْبِهِ مِنهُ في الحِسِّ والذِّكْرِ، وعِنْدَ اتِّباعِ الهَوى كُلُّ أحَدٍ يَتَّبِعُ هَوى نَفْسِهِ، فَظَهَرَ التَّعَدُّدُ فَحُمِلَ عَلى المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاهْتِداءِ والضَّلالِ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُما في مَرْجِعِهِما ومَآلِهِما، وكَما قَدَّمَ ”مَن“ عَلى ”البَيِّنَةِ“ في الذِّكْرِ عَلى مَنِ اتَّبَعَ هَواهُ، قَدَّمَ حالَهُ في مَآلِهِ عَلى حالِ مَن هو بِخِلافِ حالِهِ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ يَسْتَدْعِي أمْرًا يُمَثِّلُ بِهِ فَما هو ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ قالَ: المَثَلُ هو الوَصْفُ مَعْناهُ وصْفُ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي مُمَثَّلًا بِهِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ احْتِمالانِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا ويَكُونَ ”مَثَلُ الجَنَّةِ“ مُبْتَدَأً تَقْدِيرُهُ فِيما قَصَصْناهُ مَثَلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ ويَقُولُ: ”فِيها أنْهارٌ“، وكَذَلِكَ القَوْلُ في سُورَةِ الرَّعْدِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن