< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لِظُهُورِهِ، وبَيَّنَ حالَهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَقْتُولًا.

وثالِثُها: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾[المائِدَةِ: ٤٨] ولا يُبْتَلى الشَّيْءُ النَّفِيسُ بِما يُخافُ مِنهُ هَلاكُهُ، فَإنَّ السَّيْفَ المُهَنَّدَ العَضْبَ الكَبِيرَ القِيمَةِ لا يُجَرَّبُ بِالشَّيْءِ الصُّلْبِ الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ مِنَ الِانْكِسارِ، ولَكِنَّ الآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ، كَرَّمَهُ اللَّهُ وشَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ، فَلِماذا ابْتَلاهُ بِالقِتالِ وهو يُفْضِي إلى القَتْلِ والهَلاكِ إفْضاءً غَيْرَ نادِرٍ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ هَذا الِابْتِلاءُ ؟ فَنَقُولُ: القَتْلُ لَيْسَ بِإهْلاكٍ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يُورِثُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ فَإذا ابْتَلاهُ بِالقِتالِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يُقْتَلَ مُكْرَمٌ، وعَلى تَقْدِيرِ: أنْ لا يُقْتَلَ مُكْرَمٌ هَذا إنْ قاتَلَ، وإنْ لَمْ يُقاتِلْ، فالمَوْتُ لا بُدَّ مِنهُ وقَدْ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ الأجْرَ الكَبِيرَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قَدْ عُلِمَ مَعْنى الإضْلالِ، بَقِيَ الفَرْقُ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ في حَقِّ الكافِرِ والضّالِّ قالَ: ”أضَلَّ“ وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ الدّاعِي: (لَنْ يُضِلَّ)؛ لِأنَّ المُقاتِلَ داعٍ إلى الإيمانِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ قَدْ ذُكِرَ أنَّ مَعْناهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ إثْمٌ بِسَبَبِ حَرْبٍ، وذَلِكَ حَيْثُ يُسْلِمُ الكافِرُ، فالمُقاتِلُ يَقُولُ: إمّا أنْ تُسْلِمَ وإمّا أنْ تُقْتَلَ، فَهو داعٍ والكافِرُ صادٌّ وبَيْنَهُما تَبايُنٌ وتَضادٌّ، فَقالَ في حَقِّ الكافِرِ: أضَلَّ بِصِيغَةِ الماضِي، ولَمْ يَقُلْ: يُضِلُّ إشارَةٌ إلى أنَّ عَمَلَهُ حَيْثُ وُجِدَ عُدِمَ وكَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِن أصْلِهِ، وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ: فَلَنْ يُضِلَّ، ولَمْ يَقُلْ: ما أضَلَّ إشارَةٌ إلى أنَّ عَمَلَهُ كُلَّما ثَبَتَ عَلَيْهِ أُثْبِتَ لَهُ، فَلَنْ يُضِلَّ لِلتَّأْبِيدِ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ، كَما أنَّ بَيْنَ الدّاعِي والصّادِّ غايَةَ التَّبايُنِ والتَّضادِّ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ﴾ ؟

صفحة ٤٢

جَوابُهُ لِأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ مَعْنى الشَّرْطِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾

إنْ قُرِئَ ”قَتَلُوا“ أوْ ”قاتَلُوا“ فالهِدايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، وإنْ قُرِئَ ”قُتِلُوا“ فَهو الآخِرَةُ ”سَيَهْدِيهِمْ“ طَرِيقَ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ مِن قُبُورِهِمْ إلى مَوْضِعِ حُبُورِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ .

قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ والماضِي والمُسْتَقْبَلُ راجِعٌ إلى أنَّ هُناكَ وعَدَهم ما وعَدَهم بِسَبَبِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وذَلِكَ كانَ واقِعًا مِنهم، فَأخْبَرَ عَنِ الجَزاءِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ، وهَهُنا وعَدَهم بِسَبَبِ القِتالِ والقَتْلِ، فَكانَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ﴾ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْبالِ فَقالَ: ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ﴾ .

وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ حَشْرِهِمْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ويُلْبِسُهم في الطَّرِيقِ خُلَعَ الكَرامَةِ، وهو إصْلاحُ البالِ: ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ﴾ فَهو عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: هو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْرِفُ مَنزِلَتَهُ ومَأْواهُ، حَتّى إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَكُونُونَ أعْرَفَ بِمَنازِلِهِمْ فِيها مِن أهْلِ الجُمُعَةِ يَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ كُلُّ أحَدٍ يَأْوِي إلى مَنزِلِهِ، ومِنهم مَن قالَ: المَلَكُ المُوَكَّلُ بِأعْمالِهِ يَهْدِيهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أيْ طَيَّبَها، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: ”عَرَّفَها لَهُمْ“ حَدَّدَها مِن عَرَفَ الدّارَ وأرَفَها أيْ حَدَّدَها، وتَحْدِيدُها في قَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ المُرادُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾[الزُّخْرُفِ: ٧٢] مُشِيرًا إلَيْها مُعَرِّفًا لَهم بِأنَّها هي تِلْكَ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قَبْلَ القَتْلِ فَإنَّ الشَّهِيدَ قَبْلَ وفاتِهِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ مَنزِلَتُهُ في الجَنَّةِ فَيَشْتاقُ إلَيْها ووَجْهٌ ثانٍ: مَعْناهُ: ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ﴾ ولا حاجَةَ إلى وصْفِها فَإنَّهُ تَعالى: ﴿عَرَّفَها