< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah046
Al-Ahqaf (46)
The Dunes, makkah, 35 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
البَشَرِ، وأنا مِن جِنْسِ الرُّسُلِ، وأحَدٌ مِنهم لَمْ يَقْدِرْ عَلى ما تُرِيدُونَهُ فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلَيْهِ ؟
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَعِيبُونَهُ أنَّهُ
صفحة ٨
يَأْكُلُ الطَّعامَ، ويَمْشِي في الأسْواقِ، وبِأنَّ أتْباعَهُ فُقَراءُ فَقالَ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾، وكُلُّهم كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ وبِهَذِهِ المَثابَةِ فَهَذِهِ الأشْياءَ لا تَقْدَحُ في نُبُوَّتِي كَما لا تَقْدَحُ في نُبُوَّتِهِمْ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أحْوالِ الدُّنْيا.
والثّانِي: أنْ يُحْمَلَ عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ.
أمّا الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لا أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: لَمّا اشْتَدَّ البَلاءُ بِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يُهاجِرُ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ وشَجَرٍ وماءٍ، فَقَصَّها عَلى أصْحابِهِ فاسْتَبْشَرُوا بِذَلِكَ، ورَأوْا أنَّ ذَلِكَ فَرَجٌ مِمّا هم فِيهِ مِن أذى المُشْرِكِينَ، ثُمَّ إنَّهم مَكَثُوا بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ لا يَرَوْنَ أثَرَ ذَلِكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما رَأيْنا الَّذِي قُلْتَ، ومَتى نُهاجِرُ إلى الأرْضِ الَّتِي رَأيْتَها في المَنامِ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾، وهو شَيْءٌ رَأيْتُهُ في المَنامِ، وأنا لا أتَّبِعُ إلّا ما أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ.
الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ: لا أدْرِي ما تُؤْمَرُونَ بِهِ ولا ما أُؤْمَرُ بِهِ في بابِ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ والجِهادِ ولا في الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وإنَّما أُنْذِرُكم بِما أعْلَمَنِي اللَّهُ بِهِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ في الثَّوابِ والعِقابِ.
والرّابِعُ: المُرادُ أنَّهُ يَقُولُ: لا أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي في الدُّنْيا أأُمُوتُ أمْ أُقْتَلُ كَما قُتِلَ الأنْبِياءُ قَبْلِي ؟ ولا أدْرِي ما يُفْعَلُ بِكم أيُّها المُكَذِّبُونَ، أتُرْمَوْنَ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ، أمْ يُخْسَفُ بِكم أمْ يُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِسائِرِ الأُمَمِ ؟ .
أمّا الَّذِينَ حَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَرِحَ المُشْرِكُونَ والمُنافِقُونَ واليَهُودُ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ وبِنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾[الفتح: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الفتح: ٥]، فَبَيَّنَ تَعالى ما يُفْعَلُ بِهِ وبِمَنِ اتَّبَعَهُ ونُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأرْغَمَ اللَّهُ أنْفَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، وأكْثَرُ المُحَقِّقِينَ اسْتَبْعَدُوا هَذا القَوْلَ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا بُدَّ وأنْ يَعْلَمَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا، ومَتّى عَلِمَ كَوْنَهُ نَبِيًّا عَلِمَ أنَّهُ لا تَصْدُرُ عَنْهُ الكَبائِرُ، وأنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ شاكًّا في أنَّهُ هَلْ هو مَغْفُورٌ لَهُ أمْ لا ؟
الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ الأنْبِياءَ أرْفَعُ حالًا مِنَ الأوْلِياءِ، فَلَمّا قالَ في هَذا: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾[الأحقاف: ١٣]، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَبْقى الرَّسُولُ الَّذِي هو رَئِيسُ الأتْقِياءِ وقُدْوَةُ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ شاكًّا في أنَّهُ هَلْ هو مِنَ المَغْفُورِينَ أوْ مِنَ المُعَذَّبِينَ ؟
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾[الأنعام: ١٢٤] والمُرادُ مِنهُ كَمالُ حالِهِ ونِهايَةُ قُرْبِهِ مِن حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن هَذا حالُهُ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَبْقى شاكًّا في أنَّهُ مِنَ المُعَذَّبِينَ أوْ مِنَ المَغْفُورِينَ ؟ فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ