< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يُقالُ: جاءَ في الأثَرِ كَذا وكَذا.

قالَ الواحِدِيُّ: وكَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ يَدُورُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: البَقِيَّةُ، واشْتِقاقُها مِن أثَرْتُ الشَّيْءَ أُثِيرُهُ إثارَةً، كَأنَّها بَقِيَّةٌ تُسْتَخْرَجُ فَتُثارُ.

والثّانِي: مِنَ الأثَرِ الَّذِي هو الرِّوايَةُ.

والثّالِثُ: هو الأثَرُ بِمَعْنى العَلامَةِ، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (أثَرَةٍ) أيْ مِن شَيْءٍ أُوثِرْتُمْ بِهِ وخُصِّصْتُمْ مِن عِلْمٍ لا إحاطَةَ بِهِ لِغَيْرِكم.

وقُرِئَ: (أثْرَةٍ) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ مَعَ سُكُونِ الثّاءِ، فالإثْرَةُ بِالكَسْرِ بِمَعْنى الأثَرِ، وأمّا الإثْرُ فالمَرْأةُ، مِن مَصْدَرِ أثَرَ الحَدِيثَ إذا رَواهُ، وأمّا الأُثَرَةُ بِالضَّمِّ فاسْمُ ما يُؤْثَرُ؛ كالخُطْبَةِ اسْمٌ لِما يُخْطَبُ بِهِ.

وهَهُنا قَوْلٌ آخَرُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ وهو ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ هو عِلْمُ الخَطِّ الَّذِي يُخَطُّ في الرَّمْلِ، والعَرَبُ كانُوا يَخُطُّونَهُ، وهو عِلْمٌ مَشْهُورٌ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ فَمَن وافَقَ خَطُّهُ خَطَّهُ عُلِّمَ عِلْمَهُ» )، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَمَعْنى الآيَةِ: ائْتُونِي بِعِلْمٍ مِن قِبَلِ هَذا الخَطِّ الَّذِي تَخُطُّونَهُ في الرَّمْلِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِكم في عِبادَةِ الأصْنامِ، فَإنْ صَحَّ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما سَبَقَ أنَّ القَوْلَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ قَوْلٌ باطِلٌ، مِن حَيْثُ إنَّها لا قُدْرَةَ لَها البَتَّةَ عَلى الخَلْقِ والفِعْلِ والإيجادِ والإعْدامِ والنَّفْعِ والضُّرِّ، فَأرْدَفَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ المَذْهَبِ، وهي أنَّها جَماداتٌ فَلا تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ، ولا تَعْلَمُ حاجاتِ المُحْتاجِينَ، وبِالجُمْلَةِ فالدَّلِيلُ الأوَّلُ كانَ إشارَةً إلى نَفْيِ العِلْمِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، وإذا انْتَفى العِلْمُ والقُدْرَةُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ لَمْ تَبْقَ عِبادَةٌ مَعْلُومَةٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا امْرَأ أبْعَدَ عَنِ الحَقِّ وأقْرَبَ إلى الجَهْلِ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ الأصْنامَ، فَيَتَّخِذُها آلِهَةً ويَعْبُدُها، وهي إذا دُعِيَتْ لا تَسْمَعُ، ولا تَصِحُّ مِنها الإجابَةُ لا في الحالِ ولا بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى يُحْيِيها وتَقَعُ بَيْنَها وبَيْنَ مَن يَعْبُدُها مُخاطَبَةٌ فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ تَعالى حَدًّا، وإذا قامَتِ القِيامَةُ وحُشِرَ النّاسُ فَهَذِهِ الأصْنامُ تُعادِي هَؤُلاءِ العابِدِينَ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ تَعالى يُحْيِي هَذِهِ الأصْنامَ يَوْمَ القِيامَةِ وهي تُظْهِرُ عَداوَةَ هَؤُلاءِ العابِدِينَ وتَتَبَرَّأُ مِنهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ عَبَدَةُ المَلائِكَةِ وعِيسى فَإنَّهم في يَوْمِ القِيامَةِ يُظْهِرُونَ عَداوَةَ هَؤُلاءِ العابِدِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ؟ وكَيْفَ يُعْقَلُ وصْفُ الأصْنامِ وهي جَماداتٌ بِالغَفْلَةِ ؟ وأيْضًا كَيْفَ جازَ وصْفُ الأصْنامِ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعُقَلاءِ وهي لَفْظَةٌ مَن، وقَوْلُهُ: ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾؟ قُلْنا: إنَّهم لَمّا عَبَدُوها ونَزَّلُوها مَنزِلَةَ مَن يَضُرُّ ويَنْفَعُ صَحَّ أنْ يُقالَ فِيها: إنَّها بِمَنزِلَةِ الغافِلِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُجِيبُ، وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا