< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah046
Al-Ahqaf (46)
The Dunes, makkah, 35 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أوْ لَمْ تَرِدْ، فَإنْ قالُوا: كَيْفَ قالُوا:﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ ؟ قُلْنا: قَدْ نَقَلْنا عَنِ الحَسَنِ أنّهُ قالَ: إنَّهم كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجِنَّ ما سَمِعَتْ أمْرَ عِيسى فَلِذَلِكَ قالُوا: مِن بَعْدِ مُوسى، ثُمَّ إنَّ الجِنَّ لَمّا وصَفُوا القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ قالُوا: ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلِ المُرادُ بِداعِي اللَّهِ الرَّسُولُ أوِ الواسِطَةُ الَّتِي تُبَلِّغُ عَنْهُ؟ والأقْرَبُ أنَّهُ هو الرَّسُولُ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفَ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ مَبْعُوثًا إلى الجِنِّ كَما كانَ مَبْعُوثًا إلى الإنْسِ، قالَ مُقاتِلٌ: ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الإنْسِ والجِنِّ قَبْلَهُ.
صفحة ٢٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِإجابَتِهِ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأمْرُ بِالإيمانِ إلّا أنَّهُ أعادَ ذِكْرَ الإيمانِ عَلى التَّعْيِينِ، لِأجْلِ أنَّهُ أهَمُّ الأقْسامِ وأشْرَفُها، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِأنَّهُ يَذْكُرُ اللَّفْظَ العامَّ ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ أشْرَفَ أنْواعِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾[البَقَرَةِ: ٩٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾[الأحْزابِ: ٧] ولَمّا أمَرَ بِالإيمانِ بِهِ ذَكَرَ فائِدَةَ ذَلِكَ الإيمانِ وهي قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم، وقِيلَ: بَلِ الفائِدَةُ فِيهِ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ هَهُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ بِالذُّنُوبِ، ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ ما صَدَرَ عَنْكم مِن تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الجِنَّ هَلْ لَهم ثَوابٌ أمْ لا؟ فَقِيلَ: لا ثَوابَ لَهم إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، ثُمَّ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا مِثْلَ البَهائِمِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والصَّحِيحُ أنَّهم في حُكْمِ بَنِي آدَمَ فَيَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ عَلى الطّاعَةِ والعِقابَ عَلى المَعْصِيَةِ، وهَذا القَوْلُ قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى ومالِكٍ، وجَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ في هَذا البابِ مُناظَرَةٌ، قالَ الضَّحّاكُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ كُلَّ دَلِيلٍ دَلَّ عَلى أنَّ البَشَرَ يَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ عَلى الطّاعَةِ فَهو بِعَيْنِهِ قائِمٌ في حَقِّ الجِنِّ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ بَعِيدٌ جِدًّا.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الجَنِّيَّ لَمّا أمَرَ قَوْمَهُ بِإجابَةِ الرَّسُولِ والإيمانِ بِهِ حَذَّرَهم مِن تِلْكَ الإجابَةِ فَقالَ: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يُنْجِي مِنهُ مَهْرَبٌ ولا يَسْبِقُ قَضاءَهُ سابِقٌ، ونَظِيُرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾[الجِنِّ: ١٢] ولا نَجِدُ لَهُ أيْضًا ولِيًّا ولا نَصِيرًا، ولا دافِعًا مِن دُونِ اللَّهِ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم في ضَلالٍ مُبِينٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ المُخْتارِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ فَرْعَيْنَ: الأوَّلُ: إبْطالُ قَوْلِ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
والثّانِي: إثْباتُ النُّبُوَّةِ، وذَكَرَ شُبُهاتِهِمْ في الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ وأجابَ عَنْها، ولَمّا كانَ أكْثَرُ إعْراضِ كَفّارِ مَكَّةَ عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ بِسَبَبِ اغْتِرارِهِمْ بِالدُّنْيا واسْتِغْراقِهِمْ في اسْتِيفاءِ طَيِّباتِهِمْ وشَهَواتِها، وبِسَبَبِ أنَّهُ كانَ