< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah046
Al-Ahqaf (46)
The Dunes, makkah, 35 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: ”لا يُرى“ بِالياءِ وضَمِّها ”مَساكِنُهُمْ“ بِضَمِّ النُّونِ، قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”لا نَرى“ عَلى الخِطابِ أيْ لا تَرى أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ ”لا تُرى“ بِالتّاءِ مَساكِنُهم بِضَمِّ النُّونِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والتَّأْوِيلُ لا تُرى مِن بَقايا عادٍ أشْياءُ إلّا مَساكِنُهم. وقالَ الجُمْهُورُ هَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَتْ بِالقَوِيَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ كَفّارِ مَكَّةَ، فَإنْ قِيلَ: لِما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فَكَيْفَ يَبْقى التَّخْوِيفُ حاصِلًا؟ قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ إنَّما أُنْزِلَ في آخِرِ الأمْرِ فَكانَ التَّخْوِيفُ حاصِلًا قَبْلَ نُزُولِهِ.ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، وذَكَرَ فَضْلَ عادٍ بِالقُوَّةِ والجِسْمِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما﴾ بِمَنزِلَةِ الَّذِي. و: ﴿إنْ﴾ بِمَنزِلَةِ ما والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ مِنكم أمْوالًا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةُ: كَلِمَةُ ”إنْ“ زائِدَةٌ. والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ، وهَذا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ بِأنَّ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ عَبَثٌ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهم كانُوا أقْوى مِنكم قُوَّةً، ثُمَّ إنَّهم مَعَ زِيادَةِ القُوَّةِ ما نَجَوْا مِن عِقابِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَكُونُ حالُكم، وهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهم كانُوا أقْوى مِن قَوْمِ مَكَّةَ.
الثّالِثُ: أنَّ سائِرَ الآياتِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا﴾[مَرْيَمَ: ٧٤] وقالَ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾[غافِرٍ: ٨٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ والمَعْنى أنّا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ النِّعَمِ وأعْطَيْناهم سَمْعًا فَما اسْتَعْمَلُوهُ في سَماعِ الدَّلائِلِ، وأعْطَيْناهم أبْصارًا فَما اسْتَعْمَلُوها في تَأمُّلِ العِبَرِ، وأعْطَيْناهم أفْئِدَةً فَما اسْتَعْمَلُوها في طَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ صَرَفُوا كُلَّ هَذِهِ القُوى إلى طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَلا جَرَمَ ما أغْنى سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.صفحة ٢٦
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لَمْ يُغْنِ عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ، ولَفْظُ ”إذْ“ قَدْ يُذْكَرُ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ إذْ أساءَ، والمَعْنى ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ أساءَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّ قَوْمَ عادٍ لَمّا اغْتَرُّوا بِدُنْياهم وأعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ نَزَلَ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ، ولَمْ تُغْنِ عَنْهم قُوَّتُهم ولا كَثْرَتُهم، فَأهْلُ مَكَّةَ مَعَ عَجْزِهِمْ وضَعْفِهِمْ أوْلى بِأنْ يَحْذَرُوا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ويَخافُوا.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ نُزُولَ العَذابِ وإنَّما كانُوا يَطْلُبُونَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم يا كَفّارَ مَكَّةَ مِنَ القُرى، وهي قُرى عادٍ وثَمُودَ بِاليَمَنِ والشّامِ ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾ بَيَّنّاها لَهم (لَعَلَّهم) أيْ لَعَلَّ أهْلَ القُرى يَرْجِعُونَ، فالمُرادُ بِالتَّصْرِيفِ الأحْوالُ الهائِلَةُ الَّتِي وُجِدَتْ قَبْلَ الإهْلاكِ. قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾مَعْناهُ لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ