< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾ ؟، قُلْنا: نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾[الأنعام: ١]، ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جَعْلُ هَذِهِ الأصْنامِ مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، كَذا هَهُنا سَماعُ آياتِ اللَّهِ عَلى قُوَّتِها وظُهُورِها مِنَ المُسْتَبْعَدِ أنْ يُقابَلَ بِالإنْكارِ والإعْراضِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾، الأصْلُ: كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْها، والضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: يَصِيرُ مِثْلَ غَيْرِ السّامِعِ.

المَقامُ الثّانِي: أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَقامِ الإصْرارِ والِاسْتِكْبارِ إلى مَقامِ الِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا﴾، وكانَ مِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: اتَّخَذَهُ هُزُوًا أيِ اتَّخَذَ ذَلِكَ الشَّيْءَ هُزُوًا إلّا أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اتَّخَذَها﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الرَّجُلَ إذا أحَسَّ بِشَيْءٍ مِنَ الكَلامِ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ خاضَ في الِاسْتِهْزاءِ بِجَمِيعِ الآياتِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِذَلِكَ الواحِدِ.

صفحة ٢٢٥

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى ﴿كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ لِشُمُولِهِ جَمِيعَ الأفّاكِينَ، ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ العَذابِ المُهِينِ فَقالَ: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِمْ جَهَنَّمُ، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: الوَراءُ اسْمٌ لِلْجِهَةِ الَّتِي تَوارى بِها الشَّخْصُ مِن خَلْفٍ أوْ قُدّامٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما مَلَكُوهُ في الدُّنْيا لا يَنْفَعُهم فَقالَ: ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ .

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أصْنامَهم لا تَنْفَعُهم فَقالَ: ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، فَإنْ قالُوا: إنَّهُ قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ؟ .

قُلْنا: كَوْنُ العَذابِ مُهِينًا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الإهانَةِ مَعَ العَذابِ، وكَوْنُهُ عَظِيمًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ بالِغًا إلى أقْصى الغاياتِ في كَوْنِهِ ضَرَرًا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿هَذا هُدًى﴾ أيْ كامِلٌ في كَوْنِهِ هُدًى، ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ والرِّجْزُ أشَدُّ العَذابِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾[البقرة: ٥٩]، وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾[الأعراف: ١٣٤]، وقُرِئَ (ألِيمٍ) بِالجَرِّ والرَّفْعِ، أمّا الجَرُّ فَتَقْدِيرُهُ: لَهم عَذابٌ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، وإذا كانَ عَذابُهم مِن عَذابٍ ألِيمٍ كانَ عَذابُهم ألِيمًا، ومَن رَفَعَ كانَ المَعْنى: لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الرِّجْزِ الرِّجْسَ الَّذِي هو النَّجاسَةُ ومَعْنى النَّجاسَةِ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾[إبراهيم: ١٦]، وكانَ المَعْنى: لَهم عَذابٌ مِن تَجَرُّعِ رِجْسٍ أوْ شُرْبِ رِجْسٍ فَتَكُونُ مِن تَبْيِينًا لِلْعَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ بِكَيْفِيَّةِ جَرَيانِ الفُلْكِ عَلى وجْهِ البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِسَبَبِ تَسْخِيرِ ثَلاثَةِ أشْياءَ:

أحَدُها: الرِّياحُ الَّتِي تَجْرِي عَلى وفْقِ المُرادِ.

ثانِيها: خَلْقُ وجْهِ الماءِ عَلى المَلاسَةِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْها الفُلْكُ.

ثالِثُها: خَلْقُ الخَشَبَةِ عَلى وجْهٍ تَبْقى طافِيَةً عَلى وجْهِ الماءِ ولا تَغُوصُ فِيهِ.

وهَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها واحِدٌ مِنَ