< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


جِدًّا، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما لا يَحْصُلُ في الحالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ، فَإنَّ حُصُولَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا كانَ مَعْدُومًا مِنَ الأزَلِ إلى الوَقْتِ الَّذِي حَصَلْنا فِيهِ، ولَوْ كانَ عَدَمُ الحُصُولِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ الحُصُولِ لَكانَ عَدَمُ حُصُولِنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مَذْكُورٌ لِأجْلِ جَوابِ مَن يَقُولُ: ﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ فَهَذا القائِلُ كانَ مُنْكِرًا لِوُجُودِ الإلَهِ ولِوُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إبْطالُ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ؟ وهَلْ هَذا إلّا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وهو باطِلٌ ؟ .

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ بِحُدُوثِ الحَيَوانِ والإنْسانِ عَلى وُجُودِ الفاعِلِ الحَكِيمِ في القُرْآنِ مِرارًا وأطْوارًا، فَقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الَّتِي بَيَّنَها وأوْضَحَها مِرارًا، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إثْباتَ الإلَهِ بِقَوْلِ الإلَهِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ما هو الدَّلِيلُ الحَقُّ القاطِعُ في نَفْسِ الأمْرِ.

ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الإحْياءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وثَبَتَ أنَّ الإعادَةَ مِثْلُ الإحْياءِ الأوَّلِ، وثَبَتَ أنَّ القادِرَ عَلى الشَّيْءِ قادِرٌ عَلى مِثْلِهِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وثَبَتَ أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ في نَفْسِها، وثَبَتَ أنَّ القادِرَ الحَكِيمَ أخْبَرَ عَنْ وقْتِ وُقُوعِها فَوَجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِها حَقَّةً.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو أنَّ كَوْنَهُ تَعالى عادِلًا خالِقًا بِالحَقِّ مُنَزَّهًا عَنِ الجَوْرِ والظُّلْمِ يَقْتَضِي صِحَّةَ البَعْثِ والقِيامَةِ.

صفحة ٢٣٣

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ دَلالَةَ حُدُوثِ الإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، ولا يَعْلَمُونَ أيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ ثانِيًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الأُولى، وعَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَمَّمَ الدَّلِيلَ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ سَواءً كانَتْ مِنَ السَّماواتِ أوْ مِنَ الأرْضِ، وإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الحَياةِ في هَذِهِ الذّاتِ مُمْكِنٌ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا لَما حَصَلَ في المَرَّةِ الأُولى؛ فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى إمْكانَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ بِهَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ ذَكَرَ تَفاصِيلَ أحْوالِ القِيامَةِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: عامِلُ النَّصْبِ في يَوْمَ تَقُومُ يَخْسَرُ، ويَوْمَئِذِ بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَقُومُ.

البَحْثُ الثّانِي: قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ الحَياةَ والعَقْلَ والصِّحَّةَ كَأنَّها رَأْسُ المالِ، والتَّصَرُّفُ فِيها لِطَلَبِ سَعادَةِ الآخَرِ يَجْرِي مَجْرى تَصَرُّفِ التّاجِرِ في