< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah044
Ad-Dukhaan (44)
The Smoke, makkah, 59 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الشَّأْنِ: إنَّهُ أظْلَمَتْ لَهُ الدُّنْيا، وكَسَفَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ لِأجْلِهِ، وبَكَتِ الرِّيحُ والسَّماءُ والأرْضُ، ويُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ تِلْكَ المُصِيبَةِ لا نَفْسَ هَذا الكَذِبِ. ونَقَلَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («ما مِن مُؤْمِنٍ ماتَ في غُرْبَةٍ غابَتْ فِيها بَواكِيهِ إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ» ) .
وقالَ جَرِيرٌ:
الشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ تُبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ والقَمَرا
وفِيهِ ما يُشْبِهُ السُّخْرِيَةَ بِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ أنْفُسَهم، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَوْ ماتُوا لَبَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ، فَما كانُوا في هَذا الحَدِّ، بَلْ كانُوا دُونَ ذَلِكَ، وهَذا إنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ.صفحة ٢١٢
ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ لَمّا جاءَ وقْتُ هَلاكِهِمْ لَمْ يُنْظَرُوا إلى وقْتٍ آخَرَ لِتَوْبَةٍ وتَدارُكٍ وتَقْصِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إحْسانِهِ إلى مُوسى وقَوْمِهِ، واعْلَمْ أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى إيصالِ النَّفْعِ، فَبَدَأ تَعالى بِبَيانِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ يَعْنِي قَتْلَ الأبْناءِ واسْتِخْدامَ النِّساءِ والإتْعابَ في الأعْمالِ الشّاقَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾، وفِيهِ وجْهانِ:الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِنَ العَذابِ المُهِينِ الصّادِرِ مِن فِرْعَوْنَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ بَدَلًا مِنَ العَذابِ المُهِينِ، كَأنَّهُ في نَفْسِهِ كانَ عَذابًا مُهِينًا لِإفْراطِهِ في تَعْذِيبِهِمْ وإهانَتِهِمْ.
قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (مِن عَذابِ المُهِينِ)، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالمُهِينُ هو فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ كانَ عَظِيمَ السَّعْيِ في إهانَةِ المُحِقِّينَ. وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ (مَن فِرْعَوْنُ) وهو بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ جَوابُهُ، كَأنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يُقالَ: هَلْ تَعْرِفُونَهُ مَن هو في عُتُوِّهِ وشَيْطَنَتِهِ ؟ ثُمَّ عَرَّفَ حالَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ كانَ عالِيَ الدَّرَجَةِ في طَبَقَةِ المُسْرِفِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾[القصص: ٤]، وكانَ أيْضًا مُسْرِفًا، ومِن إسْرافِهِ أنَّهُ عَلى حَقارَتِهِ وخِسَّتِهِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كَيْفَ دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، وبَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ أوْصَلَ إلَيْهِمُ الخَيْراتِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾، وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أيْ عالِمِينَ بِكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِأنْ يُخْتارُوا ويُرَجَّحُوا عَلى غَيْرِهِمْ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَعَ عِلْمِنا بِأنَّهم قَدْ يَزِيغُونَ ويَصْدُرُ عَنْهُمُ الفُرُطاتُ في بَعْضِ الأحْوالِ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم أفْضَلَ مِن كُلِّ
صفحة ٢١٣
العالَمِينَ، فَقِيلَ: المُرادُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: هَذا عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾[آل عمران: ١١٠] .* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ مِثْلَ: فَلْقُ البَحْرِ، وتَظْلِيلُ الغَمامِ، وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرُها مِنَ الآياتِ القاهِرَةِ الَّتِي ما أظْهَرَ اللَّهُ مِثْلَها عَلى أحَدٍ سِواهم، ﴿بَلاءٌ مُبِينٌ﴾