< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لَها أفِيقُ، وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والإمامُ يَؤُمُّ بِهِمْ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ»﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ مِنَ المِرْيَةِ وهو الشَّكُّ ﴿واتَّبِعُونِ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ وشَرْعِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَدْ بانَتْ عَداواتُهُ لَكم لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ ونَزَعَ عَنْهُ لِباسَ النُّورِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا جاءَ عِيسى بِالمُعْجِزاتِ وبِالشَّرائِعِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهي مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ يَعْنِي أنَّ قَوْمَ مُوسى كانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا في أشْياءَ مِن أحْكامِ التَّكالِيفِ واتَّفَقُوا عَلى أشْياءَ، فَجاءَ عِيسى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ في تِلْكَ المَسائِلِ الخِلافِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ: فالحِكْمَةُ مَعْناها أُصُولُ الدِّينِ، وبَعْضُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مَعْناهُ فُرُوعُ الدِّينِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهم كُلَّ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ قَدْ يَخْتَلِفُونَ في أشْياءَ لا حاجَةَ بِهِمْ إلى مَعْرِفَتِها، فَلا يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ بَيانُها، ولَمّا بَيَّنَ الأُصُولَ والفُرُوعَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الكُفْرِ بِهِ والإعْراضِ عَنْ دِينِهِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ إلَيْكم مِنَ التَّكالِيفِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ أيِ الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ بَعْدَ عِيسى، وهُمُ المَلَكانِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ، وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وهو وعِيدٌ بِيَوْمِ الأحْزابِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ إلى مَن يَرْجِعُ ؟ قُلْنا: إلى الَّذِينَ خاطَبَهم عِيسى في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ وهم قَوْمُهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ فَقَوْلُهُ ”أنْ تَأْتِيَهم“ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ، والمَعْنى: هَلْ يَنْظُرُونَ

صفحة ١٩٢

إلّا إتْيانَ السّاعَةِ. فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ ﴿بَغْتَةً﴾ يُفِيدُ عَيْنَ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً، وهم يَعْرِفُونَهُ بِسَبَبِ أنَّهم يُشاهِدُونَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ:

فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا