< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ذَكَرْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”سُلَفًا“

صفحة ١٨٩

بِالضَّمِّ، وهو جَمْعُ سَلَفٍ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلُفَ - بِضَمِّ اللّامِ - يَسْلُفُ سُلُوفًا، فَهو سُلُفٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يُرِيدُ عِظَةً لِمَن بَقِيَ بَعْدَهم وآيَةً وعِبْرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعَ، ومِن ثَمَّ عُطِفَ عَلى سَلَفٍ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ عَلى أكْثَرَ مِن واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ﴾[النَّحْلِ: ٧٥] فَأدْخَلَ تَحْتَ المَثَلِ شَيْئَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٥٠ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مَن كُفْرِيّاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأجابَ عَنْها بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ:

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ .

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾[الزُّخْرُفِ: ٢٠] .

ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[الزُّخْرُفِ: ٣١] .

وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أخَذَ القَوْمُ يَضِجُّونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَأمّا أنَّ ذَلِكَ المَثَلَ كَيْفَ كانَ، وفي أيِّ شَيْءٍ كانَ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ:

فالأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، قالُوا: إذا عَبَدُوا عِيسى فَآلِهَتُنا خَيْرٌ مِن عِيسى، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ.

الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾[الأنْبِياءِ: ٩٨] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: هَذا خاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ نَبِيٌّ وتُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا وعَلى أُمِّهِ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ النَّصارى يَعْبُدُونَهُما واليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، والمَلائِكَةُ يُعْبَدُونَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وفَرِحَ القَوْمُ وضَحِكُوا وضَجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ»﴾[الأنْبِياءِ: ١٠١] ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا، والمَعْنى: ولَمّا ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى عِيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وجادَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِعِبادَةِ النَّصارى إيّاهُ

صفحة ١٩٠

﴿إذا قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ (مِنهَ) أيْ مِن هَذا المَثَلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَرْتَفِعُ لَهم ضَجِيجٌ وجَلَبَةٌ فَرَحًا وجَدَلًا وضَحِكًا بِسَبَبِ ما رَأوْا مِن إسْكاتِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا انْقَطَعَ أظْهَرَ الخَصْمُ الثّانِي الفَرَحَ والضَّجِيجَ، ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَنا عِنْدَكَ لَيْسَتْ خَيْرًا مِن عِيسى، فَإذا كانَ عِيسى مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ كانَ أمْرُ آلِهَتِنا أهْوَنَ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ،