< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah041
Fussilat (41)
Explained in detail, makkah, 54 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَنَقُولُ: هَذا أيْضًا لَهُ أثَرٌ في هَذا البابِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ التَّوْراةِ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذا المَعْنى، فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، فَكُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أهْلِ الكِتابِ أنَّهم أصْحابُ العُلُومِ والحَقائِقِ، والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا قَدْ سَمِعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ هَذِهِ المَعانِيَ واعْتَقَدُوا في كَوْنِها حَقَّةً، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِالقُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الصَّغِيرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعَقْلِ جَعْلُ الخَشَبِ المَنجُورِ والحَجَرِ المَنحُوتِ شَرِيكًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ ؟ فَظَهَرَ بِما قَرَّرْنا أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ قَوِيٌّ حَسَنٌ.
* * *
صفحة ٨٩
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ ذَلِكَ المَوْجُودُ الَّذِي عَلِمْتَ مِن صِفَتِهِ وقُدْرَتِهِ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومُبْدِعُهم، فَكَيْفَ أثْبَتُّمْ لَهُ أنْدادًا مِنَ الخَشَبِ والحَجَرِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أخْبَرَ أنَّهُ أتى بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصُّنْعِ العَجِيبِ والفِعْلِ البَدِيعِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ والمُرادُ مِنها الجِبالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ كَوْنِها ﴿رَواسِيَ﴾ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِها﴾ ولِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾[المرسلات: ٢٧]﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾[الرعد: ٣] قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى لَوْ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن تَحْتِها لَأوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الأساطِينَ التَّحْتانِيَّةَ هي الَّتِي أمْسَكَتْ هَذِهِ الأرْضَ الثَّقِيلَةَ عَنِ النُّزُولِ، ولَكِنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُ هَذِهِ الجِبالَ الثِّقالَ فَوْقَ الأرْضِ، لِيَرى الإنْسانُ بِعَيْنِهِ أنَّ الأرْضَ والجِبالَ أثْقالٌ عَلى أثْقالٍ، وكُلُّها مُفْتَقِرَةٌ إلى مُمْسِكٍ وحافِظٍ، وما ذاكَ الحافِظُ المُدَبِّرُ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى.والنَّوْعُ الثّانِي: مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ والبَرَكَةُ كَثْرَةُ الخَيْرِ، والخَيْراتُ الحاصِلَةُ مِنَ الأرْضِ أكْثَرُ مِمّا يُحِيطُ بِهِ الشَّرْحُ والبَيانُ، وقَدْ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ شَقَّ الأنْهارِ وخَلْقَ الجِبالِ وخَلْقَ الأشْجارِ والثِّمارِ وخَلْقَ أصْنافِ الحَيَواناتِ وكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الخَيْراتِ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى وقَدَّرَ فِيها أقْواتَ أهْلِها ومَعايِشَهم وما يُصْلِحُهم، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَدَّرَ أقْواتَ الأبْدانِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأبْدانَ، والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها مِنَ المَطَرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالأقْواتُ لِلْأرْضِ لا لِلسُّكّانِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ أرْضٍ حَظَّها مِنَ المَطَرِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن إضافَةِ الأقْواتِ إلى الأرْضِ كَوْنُها مُتَوَلِّدَةً مِن تِلْكَ الأرْضِ، وحادِثَةً فِيها؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فالشَّيْءُ قَدْ يُضافُ إلى فاعِلِهِ تارَةً، وإلى مَحَلِّهِ أُخْرى، فَقَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ قَدَّرَ الأقْواتَ الَّتِي يَخْتَصُّ حُدُوثُها بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ كُلَّ بَلْدَةٍ مَعْدِنًا لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأشْياءِ المَطْلُوبَةِ، حَتّى إنَّ أهْلَ هَذِهِ البَلْدَةِ يَحْتاجُونَ إلى الأشْياءِ المُتَوَلِّدَةِ في تِلْكَ البَلْدَةِ وبِالعَكْسِ، فَصارَ هَذا المَعْنى سَبَبًا لِرَغْبَةِ النّاسِ في التِّجاراتِ مِنِ اكْتِسابِ الأمْوالِ.
ورَأيْتُ مَن كانَ يَقُولُ صَنْعَةُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ أكْثَرُ الحِرَفِ والصَّنائِعِ بَرَكَةً؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ الأرْزاقَ والأقْواتَ في الأرْضِ قالَ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وإذا كانَتِ الأقْواتُ مَوْضُوعَةً في الأرْضِ كانَ طَلَبُها مِنَ الأرْضِ مُتَعَيِّنًا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ التَّدْبِيرِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ