< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى:﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ .

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ

صفحة ٨٤

الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ:

بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ.

وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ:

أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ.

وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ.

وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى