< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


سِواها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يَكُونُ واجِبًا فالواجِبُ أحْسَنُ مِنهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ بِمُقَتْضى هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ فَهو واجِبٌ، ثُمَّ يَنْتُجُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ واجِبَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: الأذانُ دَعْوَةٌ إلى اللَّهِ، والدَّعْوَةُ إلَيْهِ واجِبَةٌ، فَيَنْتُجُ: الأذانُ واجِبٌ، واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ مِنَ الفُقَهاءِ زَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ واجِبٍ، وزَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ داخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّ الدَّعْوَةَ المُرادَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ الأقْوالِ.

وثَبَتَ أنَّ الأذانَ لَيْسَ أحْسَنَ الأقْوالِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أحْسَنُ مِنَ الأذانِ، يَنْتُجُ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الأذانَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الأوْلى أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أنا مُسْلِمٌ أوِ الأوْلى أنْ يَقُولَ: أنا مُسْلِمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ قالَ إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ، فَحَكَمَ بِأنَّ هَذا القَوْلَ أحْسَنُ الأقْوالِ، ولَوْ كانَ قَوْلُنا: إنْ شاءَ اللَّهُ مُعْتَبَرًا في كَوْنِهِ أحْسَنَ الأقْوالِ لَبَطَلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ قَوْلُ مَن جَمَعَ بَيْنَ خِصالٍ ثَلاثَةٍ. أوَّلُها: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ. وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ فَقَدْ شَرَحْناها وهي عِبارَةٌ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بِإقامَةِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إمّا أنْ يَكُونَ عَمَلَ القُلُوبِ وهو المَعْرِفَةُ، أوْ عَمَلَ الجَوارِحِ وهو سائِرُ الطّاعاتِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهو أنْ يَنْضَمَّ إلى عَمَلِ القَلْبِ وعَمَلِ الجَوارِحِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ هَذا الرَّجُلُ مَوْصُوفًا بِخِصالٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الإقْرارُ بِاللِّسانِ، والثّانِي: الأعْمالُ الصّالِحَةُ بِالجَوارِحِ. والثّالِثُ: الِاعْتِقادُ الحَقُّ بِالقَلْبِ. والرّابِعُ: الِاشْتِغالُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى دِينِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ أشْرَفُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وكَمالُ الدَّرَجَةِ في هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ لَيْسَ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئْ مِن أنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾[فصلت: ٥] فَأظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمِ الإصْرارَ الشَّدِيدَ عَلى أدْيانِهِمُ القَدِيمَةِ، وعَدَمَ التَّأثُّرِ بِدَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في الجَوابِ عَنْهُ وذَكَرَ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، وأرْدَفَها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾[فصلت: ٢٦] وأجابَ عَنْها أيْضًا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ الإطْنابِ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ رَغَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ في أنْ لا يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ.

فابْتَدَأ أوَّلًا بِأنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فَلَهُمُ الثَّوابُ العَظِيمُ ثُمَّ تَرَقّى مِن تِلْكَ الدَّرَجَةِ إلى دَرَجَةٍ أُخْرى وهي أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الدَّرَجاتِ، فَصارَ

صفحة ١١٠

الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ واقِعًا عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ إنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ وإنْ كانَتْ طاعَةً عَظِيمَةً، إلّا أنَّ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَدِيدٌ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ اللَّهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ دافِعًا لِهَذا الإشْكالِ فَقالَ: