< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


النّاقَةَ، وشَرَعَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَهُنا في سَفاهَةٍ عَظِيمَةٍ، والأوْلى أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ سَعى سَعْيًا حَسَنًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالألْفاظِ، إلّا أنَّ المِسْكِينَ كانَ بَعِيدًا مِنَ المَعانِي.

ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي وكانُوا يَتَّقُونَ الأعْمالَ الَّتِي كانَ يَأْتِي بِها قَوْمُ عادٍ وثَمُودَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهَ مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾[الأنفال: ٣٣] وجاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ الآفاتِ، قُلْنا إنَّهم لَمّا عَرَفُوا كَوْنَهم مُشارِكِينَ لِعادٍ وثَمُودَ في اسْتِحْقاقِ مِثْلِ تِلْكَ الصّاعِقَةِ جَوَّزُوا حُدُوثَ ما يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ أقَلَّ دَرَجَةً مِنهم وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في التَّخْوِيفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عُقُوبَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الدُّنْيا أرْدَفَهُ بِكَيْفِيَّةِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ، لِيَحْصُلَ مِنهُ تَمامُ الِاعْتِبارِ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وقَرَأ نافِعٌ ”نَحْشُرُ“ بِالنُّونِ ”أعْداءَ“ بِالنَّصْبِ أضافَ الحَشْرَ إلى نَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ الكُفّارَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وحُجَّتُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ونَجَّيْنا) [فصلت: ١٨] فَيَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِهِ في اللَّفْظِ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ (وحَشَرْناهم) وأمّا الباقُونَ

صفحة ١٠٠

فَقَرَءُوا عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّ قِصَّةَ ثَمُودَ قَدْ تَمَّتْ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وأيْضًا الحاشِرُونَ لَهم هُمُ المَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِ: (احْشُرُوا) [الصافات: ٢٢] وهُمُ المَلائِكَةُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ وأيْضًا فَتَقْدِيرُ القِراءَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ“ فَكانَ الأوْلى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُقالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَنا إلى النّارِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أعْداءَ اللَّهِ يُحْشَرُونَ إلى النّارِ قالَ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، أيْ يُوقَفُ سَوابِقُهم حَتّى يَصِلَ إلَيْهِمْ تَوالِيهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا سَألُوا عَنْ أعْمالِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ حَتّى إذا جاءُونا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَلِمَةُ ”ما“ صِلَةٌ، وقِيلَ فِيها فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي تَأْكِيدُ أنَّ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ لا بُدَّ وأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الشَّهادَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾[يونس: ٥١] أيْ لا بُدَّ لِوَقْتِ وُقُوعِهِ مِن أنْ يَكُونَ وقْتَ إيمانِهِمْ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ «العَبْدَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبَّ العِزَّةِ ألَسْتَ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: فَإنَّ لَكَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ إنِّي لا أقْبَلُ عَلى نَفْسِي شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى فِيهِ ويُنْطِقُ أعْضاءَهُ بِالأعْمالِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ»