< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah041
Fussilat (41)
Explained in detail, makkah, 54 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرْنا.
واعْلَمْ أنَّ إثْباتَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ فِيهِما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ المَأْمُورِ فِيهِما، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أسْكَنَ هَذِهِ السَّماواتِ المَلائِكَةَ، أوْ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأشْياءَ ونَهاهم عَنْ أشْياءَ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما خَلَقَ المَلائِكَةَ مَعَ السَّماواتِ، أوْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم قَبْلَ السَّماواتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أسْكَنَهم فِيها، وأيْضًا لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ الشَّرائِعِ الَّتِي أمَرَ المَلائِكَةَ بِها، وهَذِهِ الأسْرارُ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ البَشَرِ، بَلْ هي أعْلى مِن مَصاعِدِ أفْهامِهِمْ ومَرامِي أوْهامِهِمْ
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وهي النَّيِّراتُ الَّتِي خَلَقَها في السَّماواتِ، وخَصَّ كُلَّ واحِدٍ بِضَوْءٍ مُعَيَّنٍ، وسِرٍّ مُعَيَّنٍ، وطَبِيعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: (وحِفْظًا) يَعْنِي وحَفِظْناها حِفْظًا، يَعْنِي مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، فَأعَدَّ لِكُلِّ شَيْطانٍ نَجْمًا يَرْمِيهِ بِهِ ولا يُخْطِئُهُ،صفحة ٩٥
فَمِنها ما يَحْرِقُ، ومِنها ما يَقْتُلُ ومِنها ما يَجْعَلُهُ مُخَبَّلًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَقالَ: ”خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ والشَّجَرَ في يَوْمَيْنِ، وخَلَقَ في يَوْمِ الخَمِيسِ السَّماءَ، وخَلَقَ في يَوْمِ الجُمْعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ، ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ»﴾[ق: ٣٨] .واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ، قالَ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ والعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والعَلِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وما أحْسَنَ هَذِهِ الخاتِمَةَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأعْمالَ لا تُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ وعِلْمٍ مُحِيطٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ إنَّما ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾[فصلت: ٦] واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾[فصلت: ٩] وحاصِلُهُ أنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأجْسامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ ؟ ولَمّا تَمَّمَ تِلْكَ الحُجَّةَ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ وبَيانُ ذَلِكَ لِأنَّ وظِيفَةَ الحُجَّةِ قَدْ تَمَّتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الجَهْلِ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ عِلاجٌ في حَقِّهِمْ إلّا إنْزالَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ بِمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاهِرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها
صفحة ٩٦
وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ والإنْذارُ هو: التَّخْوِيفُ، قالَ المُبَرِّدُ: والصّاعِقَةُ الثّائِرَةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، وقُرِئَ (صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ عادٍ وثَمُودَ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾