< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah004
An-Nisaa (4)
The Women, madinah, 176 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والسَّلامُ: ”«فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» “ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فالفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ شَفَقَةِ الخَلْقِ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوا كَوْنَ الكُلِّ مِن شَخْصٍ واحِدٍ تَرَكُوا المُفاخَرَةَ والتَّكَبُّرَ وأظْهَرُوا التَّواضُعَ وحُسْنَ الخُلُقِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى المَعادِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُخْرِجَ مِن صُلْبِ شَخْصٍ واحِدٍ أشْخاصًا مُخْتَلِفِينَ، وأنْ يَخْلُقَ مِن قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ شَخْصًا عَجِيبَ التَّرْكِيبِ لَطِيفَ الصُّورَةِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ إحْياءُ الأمْواتِ وبَعْثُهم ونَشُورُهم، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى المَعادِ مِن هَذا الوَجْهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾[النجم: ٣١] .
الوَجْهُ الخامِسُ: قالَ الأصَمُّ: الفائِدَةُ فِيهِ: أنَّ العَقْلَ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّ الخَلْقَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، بَلْ ذَلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ أُمِّيًّا ما قَرَأ كِتابًا ولا تَلْمَذَ لِأُسْتاذٍ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ هَذا المَعْنى كانَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَكانَ مُعْجِزًا، فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وقَوْلَهُ: ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ أجْمَعُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وصِغَرِ تِلْكَ النَّفْسِ ؟
صفحة ١٣١
قُلْنا: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ المُرادَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ زَوْجَ آدَمَ إذا خُلِقَتْ مِن بَعْضِهِ، ثُمَّ حَصَلَ خَلْقُ أوْلادِهِ مِن نُطْفَتِهِما ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا، جازَتْ إضافَةُ الخَلْقِ أجْمَعَ إلى آدَمَ.المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ هَهُنا هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّهُ أنَّثَ الوَصْفَ عَلى لَفْظِ النَّفْسِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾[الكهف: ٧٤] وقالَ الشّاعِرُ:
أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى فَأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ
قالُوا فَهَذا التَّأْنِيثُ عَلى لَفْظِ الخَلِيفَةِ.* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ فِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن هَذا الزَّوْجِ هو حَوّاءُ، وفي كَوْنِ حَوّاءَ مَخْلُوقَةً مِن آدَمَ قَوْلانِ: الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ، ثُمَّ خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلَعٍ مِن أضْلاعِهِ اليُسْرى، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ رَآها ومالَ إلَيْها وألِفَها، لِأنَّها كانَتْ مَخْلُوقَةً مِن جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إنَّ المَرْأةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ أعْوَجَ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُها كَسَرْتَها وإنْ تَرَكْتَها وفِيها عِوَجٌ اسْتَمْتَعْتَ بِها» “ .
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ مِن جِنْسِها وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾[النحل: ٧٢] وكَقَوْلِهِ: ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٦٤ ] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾[التوبة: ١٢٨] قالَ القاضِي: والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى، لِكَيْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إذْ لَوْ كانَتْ حَوّاءُ مَخْلُوقَةً ابْتِداءً لَكانَ النّاسُ مَخْلُوقِينَ مِن نَفْسَيْنِ، لا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ.
ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَلَمّا كانَ ابْتِداءُ التَّخْلِيقِ والإيجادِ وقَعَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَحَّ أنْ يُقالَ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وأيْضًا فَلَمّا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ آدَمَ مِنَ التُّرابِ كانَ قادِرًا أيْضًا عَلى خَلْقِ حَوّاءَ مِنَ التُّرابِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَأيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِها مِن ضِلَعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما سُمِّيَ آدَمُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ مِن أدِيمِ الأرْضِ كُلِّها؛ أحْمَرِها وأسْوَدِها وطَيِّبِها وخَبِيثِها؛ فَلِذَلِكَ كانَ في