< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah037
As-Saaffaat (37)
Those drawn up in Ranks, makkah, 182 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ:﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ.
والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾[الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾[الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا عاتَبُوا إبْراهِيمَ عَلى كَسْرِ الأصْنامِ فَهو أيْضًا ذَكَرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى فَسادِ المَصِيرِ إلى عِبادَتِها فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ وهو أنَّ الخَشَبَ والحَجَرَ قَبْلَ النَّحْتِ والإصْلاحِ ما كانَ مَعْبُودًا لِلْإنْسانِ البَتَّةَ، فَإذا نَحَتَهُ وشَكَّلَهُ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إلّا آثارُ تَصَرُّفِهِ، فَلَوْ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ لَكانَ مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي ما كانَ مَعْبُودًا لَمّا حَصَلَتْ آثارُ تَصَرُّفاتِهِ فِيهِ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ، وفَسادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ الأصْحابِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّحْوِيُّونَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ ما مَعَ ما بَعْدَهُ في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ وعَمَلَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صارَ مَعْنى الآيَةِ: واللَّهُ خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أضافَ العِبادَةَ والنَّحْتَ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واقِعًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ لاسْتَحالَ كَوْنُهُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُهم وخالِقٌ لِتِلْكَ الأصْنامِ، والخالِقُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ المَخْلُوقِ، فَلَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ وهو خالِقُهم وعَبَدُوا الأصْنامَ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَّخَهم عَلى هَذا الخَطَأِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ولَوْ لَمْ يَكُونُوا فاعِلِينَ لِأفْعالِهِمْ لَما جازَ تَوْبِيخُهم عَلَيْها، سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَيْكم، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّها حُجَّةٌ