< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَهُ، وأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ فَكانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجاةِ كالمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ في دُعائِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُقالَ: المَطْلُوبُ مِن هَذا النِّداءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجاةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ أنَّهُ ناداهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الإجابَةَ كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذاتِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ والقادِرُ العَظِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الإحْسانُ العَظِيمُ.

والثّانِي: أنَّهُ أعادَ صِيغَةَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لا سِيَّما وقَدْ وصَفَ تِلْكَ الإجابَةَ بِأنَّها نِعْمَتِ الإجابَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الإجابَةِ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ بِالإخْلاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإجابَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ نِعْمَ المُجِيبُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ أنَّ الإنْعامَ حَصَلَ في تِلْكَ الإجابَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الكَرْبُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ، وعَلى الثّانِي الكَرْبُ الحاصِلُ مِن أذى قَوْمِهِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ وسِوى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ.

النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ قُلْنا: مَعْناهُ الدُّعاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أيْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلى نُوحٍ وأدامَهُ في المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ تَفاصِيلَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنّا إنَّما خَصَصْنا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ التَّشْرِيفاتِ الرَّفِيعَةِ مِن جَعْلِ الدُّنْيا مَمْلُوءَةً مِن ذُرِّيَّتِهِ ومِن تَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الحَسَنِ

صفحة ١٢٧

فِي ألْسِنَةِ جَمِيعِ العالَمِينَ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ مُؤْمِنًا، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ أعْظَمَ الدَّرَجاتِ وأشْرَفَ المَقاماتِ الإيمانُ بِاللَّهِ والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ.

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ

﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً.

الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى