< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah037
As-Saaffaat (37)
Those drawn up in Ranks, makkah, 182 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، أنّا نَرى في الدُّنْيا مُحْسِنًا ومُسِيئًا وعاصِيًا وصِدِّيقًا وزِنْدِيقًا، ورَأيْنا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الجَزاءِ فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ القِيامَةِ:﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾[النجم: ٣١] وبِالجُمْلَةِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، والكُفّارُ وإنْ سَمِعُوا هَذا الدَّلِيلَ القَوِيَّ لَكِنَّهم أنْكَرُوا وتَمَرَّدُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا أحْياهم يَوْمَ القِيامَةِ فَإذا شاهَدُوا القِيامَةَ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ ويَقُولُونَ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلَيْهِ في القُرْآنِ فَكَفَرْنا بِها، ونَظِيرُهُ أنَّ مَن خُوِّفَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ثُمَّ عايَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ يَقُولُ هَذا يَوْمُ الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ فَكَذا هَهُنا، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[الفاتحة: ٤] فَبَيَّنَ أنَّهُ لا مالِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهم هَذا يَوْمُ الدِّينِ، إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي لا حُكْمَ فِيهِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ، وإنَّما ذَكَرُوهُ لِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا هَلْ هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الكُفّارِ، أوْ يُقالُ: تَمَّ كَلامُهم عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ فَهو كَلامُ غَيْرِهِمْ، فَبَعْضُهم قالَ بِالأوَّلِ وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ الآيَةَ. مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الثّانِي، واحْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ خِطابٌ مَعَ جَمِيعِ الكُفّارِ، فَقائِلُ هَذا القَوْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ الكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾[الصافات: ٢٢] مَسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَلامَ غَيْرِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم، والوَجْهُ في كَوْنِهِ جَوابًا لَهم أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ إنَّما اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مُحِقِّينَ في إنْكارِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَوْنَهم مُحِقِّينَ في تِلْكَ الأدْيانِ الفاسِدَةِ فَقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ هَذا اليَوْمُ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إلَيْنا جَزاءُ طاعَتِنا وخَيْراتِنا، فالمَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم: إنَّهُ لا اعْتِبارَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ في هَذا اليَوْمِ، فَإنَّ هَذا اليَوْمَ يُفْصَلُ فِيهِ الجَزاءُ الحَقِيقِيُّ عَنِ الجَزاءِ الظّاهِرِيِّ، وتُمَيَّزُ فِيهِ الطّاعاتُ الحَقِيقِيَّةُ عَنِ الطّاعاتِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ هَذا الكَلامُ مِنَ المَلائِكَةِ جَوابًا لِما ذَكَرَهُ الكُفّارُ.
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .وفِي الآيَةِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ هَذا مِن كَلامِ المَلائِكَةِ فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿احْشُرُوا﴾ مَعَ أنَّهم قَدْ حُشِرُوا مِن قَبْلُ، وحَضَرُوا في مَحْفِلِ القِيامَةِ وقالُوا: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وقالَتِ المَلائِكَةُ لَهم بَلْ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أجابَ القاضِي عَنْهُ، فَقالَ: المُرادُ احْشُرُوهم إلى دارِ الجَزاءِ وهي النّارُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ خُذُوهم إلى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، ودُلُّوهم عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ بَعْدَهُ ﴿وقِفُوهم إنَّهم