< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah035
Faatir (35)
The Originator, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الطَّلَبِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الكافِرَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ إنْ كانَ عَنْ صِدْقٍ أمِنَ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ ظاهِرًا أمِنَ في نَفْسِهِ ودَمِهِ وأهْلِهِ وحَرَمِهِ في الدُّنْيا، ولا كَذَلِكَ العَمَلُ بِالجَوارِحِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ (النِّساءِ: ٥٧) .
ووَجْهٌ آخَرُ: القَلْبُ هو الأصْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: («ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ» ) وما في القَلْبِ لا يَظْهَرُ إلّا بِاللِّسانِ، وما في اللِّسانِ لا يَتَبَيَّنُ صِدْقُهُ إلّا بِالفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ لا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إلّا عَنْ قَلْبٍ، وأمّا الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ لا عَنْ قَلْبٍ كالعَبَثِ بِاللِّحْيَةِ؛ ولِأنَّ النّائِمَ لا يَخْلُو عَنْ فِعْلٍ مِن حَرَكَةٍ وتَقَلُّبٍ، وهو في أكْثَرِ الأمْرِ لا يَتَكَلَّمُ في نَوْمِهِ إلّا نادِرًا، لِما ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ بِالقَلْبِ ولا كَذَلِكَ العَمَلُ، فالقَوْلُ أشْرَفُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْرُ لا يَتَعَدّى فَبِمَ انْتِصابُ السَّيِّئاتِ ؟ وقالَ بِأنَّ مَعْناهُ: الَّذِينَ يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، فَهو وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ المَكْرُ اسْتِعْمالَ العَمَلِ فَعَدّاهُ تَعْدِيَتَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٧) ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ السَّيِّئاتُ وصْفًا لِمَصْدَرٍ تَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ العَمَلاتِ السَّيِّئاتِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ هَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ إشارَةً إلى بَقائِهِ وارْتِقائِهِ ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ﴾ أيِ العَمَلُ السَّيِّئُ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ إشارَةٌ إلى فَنائِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الدَّلائِلَ مَعَ كَثْرَتِها وعَدَمِ دُخُولِها في عَدَدٍ مَحْصُورٍ مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ: دَلائِلِ الآفاقِ ودَلائِلِ الأنْفُسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾[فصلت: ٥٣] فَلَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ
صفحة ١٠
مِنَ السَّماواتِ، وما يُرْسَلُ مِنها مِنَ المَلائِكَةِ والأرْضِ، وما يُرْسَلُ فِيها مِنَ الرِّياحِ شَرَعَ في دَلائِلِ الأنْفُسِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ مِرارًا، وذَكَرْنا ما قِيلَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ آدَمَ ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ أوْلادِهِ، وبَيَّنّا أنَّ الكَلامَ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى هَذا التَّأْوِيلِ بَلْ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ النّاسِ وهم أوْلادُ آدَمَ كُلُّهم مِن تُرابٍ ومِن نُطْفَةٍ؛ لِأنَّ كُلَّهم مِن نُطْفَةٍ والنُّطْفَةَ مِن غِذاءٍ، والغِذاءَ بِالآخِرَةِ يَنْتَهِي إلى الماءِ والتُّرابِ، فَهو مِن تُرابٍ صارَ نُطْفَةً.وقَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العَمَلِ، فَإنَّ ما في الأرْحامِ قَبْلَ الِانْخِلاقِ بَلْ بَعْدَهُ ما دامَ في البَطْنِ لا يَعْلَمُ حالَهُ أحَدٌ، كَيْفَ والأُمُّ الحامِلَةُ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ كَمالَ قُدْرَتِهِ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ كَمالَ عِلْمِهِ ثُمَّ بَيَّنَ نُفُوذَ إرادَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ هو القادِرُ العالِمُ المُرِيدُ والأصْنامُ لا قُدْرَةَ لَها ولا عِلْمَ ولا إرادَةَ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنها العِبادَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾أيِ الخَلْقَ مِنَ التُّرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّعْمِيرُ والنُّقْصانُ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ العِلْمَ بِما تَحْمِلُهُ الأُنْثى يَسِيرٌ والكُلُّ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، والأوَّلُ أشْبَهُ، فَإنَّ