< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ النَّظَرِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ في مُرْشِدِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتْلُ عَلَيْهِمْ ما يُرْشِدُهم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ وهو أمَرُّ إهانَةً، فَما لِلظّالِمِينَ الَّذِينَ وضَعُوا أعْمالَهم وأقْوالَهم في غَيْرِ مَوْضِعِها وأتَوْا بِالمَعْذِرَةِ في غَيْرِ وقْتِها مِن نَصِيرٍ في وقْتِ الحاجَةِ يَنْصُرُهم، قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: قَوْلُهُ: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٧٠) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِ الجاهِلَ جَهْلًا مُرَكَّبًا، وهو الَّذِي يَعْتَقِدُ الباطِلَ حَقًّا في الدُّنْيا، (وما لَهُ مِن نَصِيرٍ) أيْ مِن عِلْمٍ يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى البُرْهانَ سُلْطانًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ﴾ (إبْراهِيمَ: ١٠) والسُّلْطانُ أقْوى ناصِرٍ إذْ هو القُوَّةُ أوِ الوِلايَةُ، وكِلاهُما يَنْصُرُ والحَقُّ التَّعْمِيمُ، لِأنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهُ ولَيْسَ غَيْرُهُ نَصِيرًا، فَما لَهم مِن نَصِيرٍ أصْلًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ وقالَ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾

صفحة ٢٨

[الرُّومِ: ٢٩] وقالَ هَهُنا: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ أيْ هَذا وقْتُ كَوْنِهِمْ واقِعِينَ في النّارِ، فَقَدْ أيِسَ كُلٌّ مِنهم مِن كَثِيرٍ مِمَّنْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنهُمُ النُّصْرَةَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا تَوَقُّعُهم مِنَ اللَّهِ، فَقالَ: (ما لَكم مِن نَصِيرٍ) أصْلًا، وهُناكَ كانَ الأمْرُ مَحْكِيًّا في الدُّنْيا أوْ في أوائِلِ الحَشْرِ، فَنَفى ما كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنهُمُ النُّصْرَةَ وهم آلِهَتُهم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

تَقْرِيرًا لِدَوامِهِمْ في العَذابِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾[الشُّورى: ٤٠] ولا يُزادُ عَلَيْها، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: الكافِرُ ما كَفَرَ بِاللَّهِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُعَذَّبَ إلى مِثْلِ تِلْكَ الأيّامِ، فَقالَ تَعالى: إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ غَيْبُ السَّماواتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما في الصُّدُورِ، وكانَ يَعْلَمُ مِنَ الكافِرِ أنَّ في قَلْبِهِ تَمَكُّنُ الكُفْرِ بِحَيْثُ لَوْ دامَ إلى الأبَدِ لَما أطاعَ اللَّهَ ولا عَبَدَهُ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ مَسْألَةٌ قَدْ ذَكَرْناها مَرَّةً ونُعِيدُها أُخْرى، وهي أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الصُّدُورُ هي ذاتُ اعْتِقاداتٍ وظُنُونٍ، فَكَيْفَ سَمّى اللَّهُ الِاعْتِقاداتِ بِذاتِ الصُّدُورِ ؟ ويُقَرِّرُ السُّؤالَ قَوْلُهم: أرْضٌ ذاتُ أشْجارٍ وذاتُ جَنًى إذا كانَ فِيها ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الصَّدْرُ فِيهِ اعْتِقادٌ فَهو ذُو اعْتِقادٍ، فَيُقالُ لَهُ: لَمّا كانَ اعْتِبارُ الصَّدْرِ بِما فِيهِ صارَ ما فِيهِ كالسّاكِنِ المالِكِ حَيْثُ لا يُقالُ: الدّارُ ذاتُ زَيْدٍ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ ذُو دارٍ ومالٍ، وإنْ كانَ هو فِيها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ .

تَقْرِيرًا لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّمْكِينَ والإمْهالَ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيها المَعْرِفَةُ قَدْ حَصَلَ وما آمَنتُمْ وزادَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ أيْ آتَيْناكم عُقُولًا، وأرْسَلْنا إلَيْكم مَن يُؤَيِّدُ المَعْقُولَ بِالدَّلِيلِ المَنقُولِ زادَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾أيْ نَبَّهَكم بِمَن مَضى وحالِ مَنِ انْقَضى، فَإنَّكم لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَكم عِلْمٌ بِأنَّ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ أُهْلِكَ لَكانَ عِنادُكم أخْفى وفَسادُكم أخَفَّ، لَكِنْ أُمْهِلْتُمْ وعُمِّرْتُمْ وأُمِرْتُمْ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ بِما أُمِرْتُمْ وجُعِلْتُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ، أيْ خَلِيفَةً بَعْدَ خَلِيفَةٍ تَعْلَمُونَ