< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah035
Faatir (35)
The Originator, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إشارَةٌ إلى ما يُعْطِيهِمْ ويَزِيدُ لَهم بِسَبَبِ ما وجَدَ لَهم في الآخِرَةِ مِنَ الحَمْدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ دارَ الإقامَةِ، لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُرُورَهم وكَرامَتَهم بِتَحْلِيَتِهِمْ وإدْخالِهِمُ الجَنّاتِ بَيَّنَ سُرُورَهم بِبَقائِهِمْ فِيها وأعْلَمَهم بِدَوامِها حَيْثُ قالُوا: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ أيِ الإقامَةِ والمَفْعُولُ رُبَّما يَجِيءُ لِلْمَصْدَرِ مِن كُلِّ بابٍ يُقالُ ما لَهُ مَعْقُولٌ أيْ عَقْلٌ، وقالَ تَعالى: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ (الإسْراءِ: ٨٠) وقالَ تَعالى: ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (سَبَأٍ: ١٩) وكَذَلِكَ مُسْتَخْرَجٌ لِلِاسْتِخْراجِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَصْدَرَ هو المَفْعُولُ في الحَقِيقَةِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي فُعِلَ، فَجازَ إقامَةُ المَفْعُولِ مَقامَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الدُّنْيا مَنزِلَةٌ يَنْزِلُها المُكَلَّفُ، ويَرْتَحِلُ عَنْها إلى مَنزِلَةِ القُبُورِ، ومِنها إلى مَنزِلَةِ العَرْصَةِ الَّتِي فِيها الجَمْعُ ومِنها التَّفْرِيقُ، وقَدْ تَكُونُ النّارُ لِبَعْضِهِمْ مَنزِلَةً أُخْرى والجَنَّةُ دارَ المُقامَةِ، وكَذَلِكَ النّارُ لِأهْلِها، وقَوْلُهم: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ بِحُكْمِ وعْدِهِ لا بِإيجابِ مَن عِنْدَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ اللُّغُوبُ الإعْياءُ، والنَّصَبُ هو السَّبَبُ لِلْإعْياءِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ عُلِمَ أنَّهُ ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ ولا يَنْفِي المُتَكَلِّمُ الحَكِيمُ السَّبَبَ، ثُمَّ يَنْفِي مُسَبِّبَهُ بِحَرْفِ العَطْفِ، فَلا يَقُولُ القائِلُ: لا أكَلْتُ ولا شَبِعْتُ أوْ لا قُمْتُ ولا مَشَيْتُ والعَكْسُ كَثِيرٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: لا شَبِعْتُ ولا أكَلْتُ لِما أنَّ نَفْيَ الشِّبَعِ لا يَلْزَمُهُ انْتِفاءُ الأكْلِ، وسِياقُ ما تَقَرَّرَ أنْ يُقالَ: لا يَمَسُّنا فِيها إعْياءٌ ولا مَشَقَّةٌ، فَنَقُولُ: ما قالَهُ اللَّهُ في غايَةِ الجَلالَةِ وكَلامُ اللَّهِ أجَلُّ وبَيانُهُ أجْمَلُ، ووَجْهُهُ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مُخالَفَةَ الجَنَّةِ لِدارِ الدُّنْيا، فَإنَّ الدُّنْيا أماكِنُها عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: مَوْضِعٌ نَمَسُّ فِيهِ المَشاقَّ والمَتاعِبَ كالبَرارِيِّ والصَّحارِي والطُّرُقاتِ والأراضِي.
والآخَرُ: مَوْضِعٌ يَظْهَرُ فِيهِ الإعْياءُ كالبُيُوتِ والمَنازِلِ الَّتِي في
صفحة ٢٦
الأسْفارِ مِنَ الخاناتِ، فَإنَّ مَن يَكُونُ في مُباشَرَةِ شُغْلٍ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ الإعْياءُ إلّا بَعْدَما يَسْتَرِيحُ، فَقالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ لَيْسَتِ الجَنَّةُ كالمَواضِعِ الَّتِي في الدُّنْيا مَظانَّ المَتاعِبِ، بَلْ هي أفْضَلُ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي هي مَواضِعُ مَرْجِعِ العَيِّ، فَقالَ: ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ أيْ لا نَخْرُجُ مِنها إلى مَواضِعَ نَتْعَبُ ونَرْجِعُ إلَيْها، فَيَمَسُّنا فِيها الإعْياءُ، وقُرِئَ (لَغُوبٌ) بِفَتْحِ اللّامِ والتَّرْتِيبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ كَأنَّهُ قالَ: لا نَتْعَبُ ولا يَمَسُّنا ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وهَذا لِأنَّ القَوِيَّ السَّوِيَّ إذا قالَ: ما تَعِبْتُ اليَوْمَ لا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّهُ ما عَمِلَ شَيْئًا لِجَوازِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مُتْعِبًا لِقُوَّتِهِ، فَإذا قالَ: ما مَسَّنِي ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتْعِبًا، يُفْهَمُ أنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا؛ لِأنَّ نَفْسَ العَمَلِ قَدْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتْعِبًا لِضَعِيفٍ أوْ مُتْعِبًا بِسَبَبِ كَثْرَتِهِ، واللُّغُوبُ هو ما يَغْلِبُ مِنهُ، وقِيلَ: النَّصَبُ التَّعَبُ المُمْرِضُ، وعَلى هَذا فَحُسْنُ التَّرْتِيبِ ظاهِرٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: لا يَمَسُّنا مَرَضٌ ولا دُونَ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعْيا مِنهُ مُباشَرَةً.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما كَلامٌ يَتَعَلَّقُ بِالَّذِينِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ عَلى ما بَيَّنّا، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ (الرَّعْدِ: ٢٣) قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ راجِعٌ إلى ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ .* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أيْ لا يَسْتَرِيحُونَ بِالمَوْتِ بَلِ العَذابُ دائِمٌ.وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها