< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah035
Faatir (35)
The Originator, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
لا يَنْفَعُهم ولا يُسْمِعُهم، قالَ لَهُ هَؤُلاءِ: لا يُسْمِعُهم إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ولَوْ كانَ صَخْرَةً صَمّاءَ، وأمّا أنْتَ فَلا تُسْمِعُ مَن في القُبُورِ، فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيانًا لِلتَّسْلِيَةِ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ نَذِيرًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إنَّما هو نَذِيرٌ بِإذْنِ اللَّهِ وإرْسالِهِ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ تَقْرِيرًا لِأمْرَيْنِ:أحَدُهُما: لِتَسْلِيَةِ قَلْبِهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُ كانَ مِثْلَهُ مُحْتَمِلًا لِتَأذِّي القَوْمِ.
وثانِيهِما: إلْزامُ القَوْمِ قَبُولَهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وإنَّما هو مِثْلُ غَيْرِهِ يَدَّعِي ما ادَّعاهُ الرُّسُلُ ويُقَرِّرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
يَعْنِي أنْتَ جِئْتَهم بِالبَيِّنَةِ والكِتابِ فَكَذَّبُوكَ وآذَوْكَ، وغَيْرُكَ أيْضًا أتاهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا بِكَ، وصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا، فَكَذَلِكَ نُلْزِمُهم بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهم رُسُلًا إلّا بِالمُعْجِزاتِ البَيِّناتِ، وقَدْ آتَيْناها مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ والكُلُّ آتَيْناها مُحَمَّدًا، فَهو رَسُولٌ مِثْلُ الرُّسُلِ يَلْزَمُهم قَبُولُهُ كَما لَزِمَ قَبُولُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعِينَ، وهَذا يَكُونُ تَقْرِيرًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أوَّلُها: البَيِّناتُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ وهي أدْنى الدَّرَجاتِ، ثُمَّ قَدْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَكُونُ فِيهِ مَواعِظُ وتَنْبِيهاتٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخٌ وأحْكامٌ مَشْرُوعَةٌ شَرْعًا ناسِخًا، ومَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أعْلى مَرْتَبَةً مِمَّنْ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقَدْ تَنْسَخُ شَرِيعَتُهُ الشَّرائِعَ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ فِيهِ أحْكامٌ عَلى وفْقِ
صفحة ١٨
الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ، فَهو مِن أُولِي العَزْمِ، فَقالَ الرُّسُلُ تُبَيِّنُ رِسالَتَهم بِالبَيِّناتِ، وإنْ كانُوا أعْلى مَرْتَبَةً فَبِالزُّبُرِ، وإنْ كانُوا أعْلى فَبِالكِتابِ، والنَّبِيُّ آتَيْناهُ الكُلَّ فَهو رَسُولٌ أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ لِكَوْنِ كِتابِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن كُلِّ كِتابٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .
أيْ مَن كَذَّبَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ مِن قَبْلُ وبِالرَّسُولِ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكَذَلِكَ مَن يُكَذِّبُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ سُؤالٌ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّهم عَلِمُوا شِدَّةَ إنْكارِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإتْيانُهُ بِالأمْرِ المُنْكَرِ مِنَ الِاسْتِئْصالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ .وهَذا اسْتِدْلالٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وفي تَفْسِيرِها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْبارِ، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وذَكَرَ الدَّلِيلَ المُتَقَدِّمَ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ وقالَ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ الماءِ أقْرَبُ إلى النَّفْعِ، والمَنفَعَةُ فِيهِ أظْهَرُ، فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ في الرُّؤْيَةِ أنَّ الماءَ مِنهُ حَياةُ الأرْضِ، فَعَظَّمَ دَلالَتَهُ بِالِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلتَّقْرِيرِ لا يُقالُ إلّا في الشَّيْءِ الظّاهِرِ جِدًّا، كَما أنَّ مَن أبْصَرَ الهِلالَ وهو خَفِيٌ جِدًّا، فَقالَ لَهُ غَيْرُهُ: أيْنَ هو، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: في المَوْضِعِ الفُلانِيِّ، فَإنْ لَمْ يَرَهُ، يَقُولُ لَهُ: الحَقُّ مَعَكَ إنَّهُ خَفِيٌّ وأنْتَ مَعْذُورٌ، وإذا كانَ بارِزًا يَقُولُ لَهُ: أما تَراهُ، هَذا هو ظاهِرٌ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَما قَرَّرَ المَسْألَةَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وظَهَرَ بِما تَقَدَّمَ لِلْمَدْعُوِّ بِصارَةٌ بِوُجُوهِ الدَّلالاتِ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ صِرْتَ بَصِيرًا بِما ذَكَرْناهُ ولَمْ