< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah034
Saba (34)
Sheba, makkah, 54 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ المُسْتَكْبِرُونَ أنّا ما صَدَدْناكم وما صَدَرَ مِنّا ما يَصْلُحُ مانِعًا وصارِفًا اعْتَرَفَ المُسْتَضْعَفُونَ بِهِ وقالُوا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ مَنَعَنا، ثُمَّ قالُوا لَهم إنَّكم وإنْ كُنْتُمْ ما أتَيْتُمْ بِالصّارِفِ القَطْعِيِّ والمانِعِ القَوِيِّ ولَكِنِ انْضَمَّ أمْرُكم إيّانا بِالكُفْرِ إلى طُولِ الأمَدِ والِامْتِدادِ في المَدَدِ فَكَفَرْنا فَكانَ قَوْلُكم جُزْءَ السَّبَبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بَلْ مَكْرُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: نُنْكِرَهُ ﴿ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ هَذا يُبَيِّنُ أنَّ المُشْرِكَ بِاللَّهِ مَعَ أنَّهُ في الصُّورَةِ مُثْبِتٌ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ مُنْكِرٌ لِوُجُودِ اللَّهِ لِأنَّ مَن يُساوِيهِ المَخْلُوقُ المَنحُوتُ لا يَكُونُ إلَهًا، وقَوْلُهُ في الأوَّلِ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾
صفحة ٢٢٦
﴿القَوْلَ﴾ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ في الآيَتَيْنِ المُتَأخِّرَتَيْنِ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بِصِيغَةِ الماضِي مَعَ أنَّ السُّؤالَ والتَّراجُعَ في القَوْلِ لَمْ يَقَعْ؛ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَقَعَ، فَإنَّ الأمْرَ الواجِبَ الوُقُوعِ يُوجَدُ كَأنَّهُ وقَعَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾[الزمر: ٣٠] .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
مَعْناهُ أنَّهم يَتَراجَعُونَ القَوْلَ في الأوَّلِ، ثُمَّ إذا جاءَهُمُ العَذابُ الشّاغِلُ يُسِرُّونَ ذَلِكَ التَّراجُعَ الدّالَّ عَلى النَّدامَةِ، وقِيلَ: مَعْنى الإسْرارِ الإظْهارُ أيْ أظْهَرُوا النَّدامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّهم لَمّا تَراجَعُوا في القَوْلِ رَجَعُوا إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾[السجدة: ١٢] ثُمَّ أُجِيبُوا وأُخْبِرُوا بِأنْ لا مَرَدَّ لَكم فَأسَرُّوا ذَلِكَ القَوْلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ العَذابِ وإلى أنَّ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ كافِيًا بَلْ لَمّا رَأوُا العَذابَ قَطَعُوا بِأنَّهم واقِعُونَ فِيهِ فَتَرَكُوا النَّدَمَ ووَقَعُوا فِيهِ فَجَعَلَ الأغْلالَ في أعْناقِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ حَقُّهم عَدْلًا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ .
تَسْلِيَةً لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيانًا لِأنَّ إيذاءَ الكُفّارِ الأنْبِياءَ الأخْيارَ لَيْسَ بِدْعًا، بَلْ ذَلِكَ عادَةٌ جَرَتْ مِن قَبْلُ وإنَّما نَسَبَ القَوْلَ إلى المُتْرَفِينَ مَعَ أنَّ غَيْرَهم أيْضًا قالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ لِأنَّ الأغْنِياءَ المُتْرَفِينَ هُمُ الأصْلُ في ذَلِكَ القَوْلِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ قالَ عَنِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا إنَّهم قالُوا لِلْمُسْتَكْبِرِينَ لَوْلا أنْتُمْ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلى كَوْنِهِمْ مُصِيبِينَ في ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ فَقالُوا: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ أيْ بِسَبَبِ لَزُومِنا لِدِينِنا، وقَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ في الآخِرَةِ كَأنَّهم قالُوا: حالُنا عاجِلًا خَيْرٌ مِن حالِكم، وأمّا آجِلًا فَلا نُعَذَّبُ إمّا إنْكارًا مِنهم لِلْعَذابِ رَأْسًا أوِ اعْتِقادًا لِحُسْنِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ أيْضًا قِياسًا [ عَلى حُسْنِ حالِهِمْ في الدُّنْيا ] . ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ خَطَأهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
صفحة ٢٢٧
يَعْنِي أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا لا تَدُلُّ سِعَتُهُ وضِيقُهُ عَلى حالِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَكَمْ مِن مُوسِرٍ شَقِيٍّ ومُعْسِرٍ تَقِيٍّ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾أيْ أنَّ قِلَّةَ الرِّزْقِ وضَنْكَ العَيْشِ وكَثْرَةَ المالِ وخِصْبَ