< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah033
Al-Ahzaab (33)
The Clans, madinah, 73 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والذّاكِراتِ﴾ يَعْنِي هم في جَمِيعِ هَذِهِ الأحْوالِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، ويَكُونُ إسْلامُهم وإيمانُهم وقُنُوتُهم وصِدْقُهم وصَبْرُهم وخُشُوعُهم وصَدَقَتُهم وصَوْمُهم بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ لِلَّهِ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى في أكْثَرِ المَواضِعِ حَيْثُ ذَكَرَ الذِّكْرَ قَرَنَهُ بِالكَثْرَةِ هَهُنا، وفي قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾[الأحزاب: ٤١] وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الممتحنة: ٦] لِأنَّ الإكْثارَ مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ أوْ عُسْرٌ، فَإنَّ الإنْسانَ أكْلُهُ وشُرْبُهُ، وتَحْصِيلُ مَأْكُولِهِ ومَشْرُوبِهِ يَمْنَعُهُ مِن أنْ يَشْتَغِلَ دائِمًا بِالصَّلاةِ، ولَكِنْ لا مانِعَ لَهُ مِن أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعالى وهو آكِلٌ ويَذْكُرَهُ وهو شارِبٌ أوْ ماشٍ أوْ بائِعٌ أوْ شارٍ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾[آل عمران: ١٩١] ولِأنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وهي النِّيَّةُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً﴾ تَمْحُو ذُنُوبَهم وقَوْلُهُ: ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ ذَكَرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾قِيلَ: بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في زَيْنَبَ حَيْثُ أرادَ النَّبِيُّ ﷺ تَزْوِيجَها مِن زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ فَكَرِهَتْ إلّا النَّبِيَّ عَلَيْهِ
صفحة ١٨٣
السَّلامُ، وكَذَلِكَ أخُوها امْتَنَعَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فَرَضِيا بِهِ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِزَوْجاتِهِ إنَّهُنَّ مُخَيَّراتٌ فُهِمَ مِنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يُرِيدُ ضَرَرَ الغَيْرِ، فَمَن كانَ مَيْلُهُ إلى شَيْءٍ يُمَكِّنُهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ، ويَتْرُكُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقَّ نَفْسِهِ لِحَظِّ غَيْرِهِ، فَقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: لا يَنْبَغِي أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ هَوى نَفْسِهِ مُتَّبِعُهُ، وأنَّ زِمامَ الِاخْتِيارِ بِيَدِ الإنْسانِ كَما في الزَّوْجاتِ، بَلْ لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ أنْ يَكُونَ لَهُ اخْتِيارٌ عِنْدَ حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَما أمَرَ اللَّهُ هو المُتَّبَعُ وما أرادَ النَّبِيُّ هو الحَقُّ، ومَن خالَفَهُما في شَيْءٍ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا؛ لِأنَّ اللَّهَ هو المَقْصِدُ والنَّبِيُّ هو الهادِي المُوصِلُ، فَمَن تَرَكَ المَقْصِدَ ولَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الهادِي فَهو ضالٌّ قَطْعًا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾
وهُوَ زَيْدٌ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بِالتَّحْرِيرِ والإعْتاقِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ هَمَّ زَيْدٌ بِطَلاقِ زَيْنَبَ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ: أمْسِكْ أيْ لا تُطَلِّقْها. ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ قِيلَ في الطَّلاقِ، وقِيلَ في الشَّكْوى مِن زَيْنَبَ، فَإنَّ زَيْدًا قالَ فِيها إنَّها تَتَكَبَّرُ عَلَيَّ بِسَبَبِ النَّسَبِ وعَدَمِ الكَفاءَةِ. ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مِن أنَّكَ تُرِيدُ التَّزَوُّجَ بِزَيْنَبَ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ مِن أنْ يَقُولُوا أخَذَ زَوْجَةَ الغَيْرِ أوِ الِابْنِ ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ لَيْسَ إشارَةً إلى أنَّ النَّبِيَّ خَشِيَ النّاسَ ولَمْ يَخْشَ اللَّهَ بَلِ المَعْنى: اللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ وحْدَهُ ولا تَخْشَ أحَدًا مَعَهُ وأنْتَ تَخْشاهُ وتَخْشى النّاسَ أيْضًا، فاجْعَلِ الخَشْيَةَ لَهُ وحْدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾أيْ لَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ وانْقَضَتْ عِدَّتُها؛ وذَلِكَ لِأنَّ