< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah032
As-Sajda (32)
The Prostration, makkah, 30 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الإيمانَ بِالآياتِ كالحاصِلِ، وإنَّما يَنْساهُ البَعْضُ فَإذا ذُكِّرَ بِها خَرَّ ساجِدًا لَهُ، يَعْنِي انْقادَتْ أعْضاؤُهُ لَهُ، وسَبَّحَ بِحَمْدِهِ، يَعْنِي ويُحَرِّكُ لِسانَهُ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي وكانَ قَلْبُهُ خاشِعًا لا يَتَكَبَّرُ ومَن لا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبادَتِهِ فَهو المُؤْمِنُ حَقًّا.
﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
يَعْنِي بِاللَّيْلِ قَلِيلًا ما يَهْجَعُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ يُصَلُّونَ، فَإنَّ الدُّعاءَ والصَّلاةَ مِن بابٍ واحِدٍ في المَعْنى، أوْ يَطْلُبُونَهُ وهَذا لا يُنافِي الأوَّلَ لِأنَّ الطَّلَبَ قَدْ يَكُونُ بِالصَّلاةِ، والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ أوْلى لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وفي أكْثَرِ المَواضِعِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها الزَّكاةُ ذُكِرَ الصَّلاةُ قَبْلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾[البقرة: ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ خائِفِينَ طامِعِينَ كَقَوْلِكَ جاءُونِي زُوَّرًا أيْ زائِرِينَ، وكَأنَّ في الآيَةِ الأُولى إشارَةً إلى المَرْتَبَةِ العالِيَةِ وهي العِبادَةُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ يُوجَدُ مِنهُمُ السُّجُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وطَمَعٌ. وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ إشارَةٌ إلى المَرْتَبَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ وهي العِبادَةُ خَوْفًا، كَمَن يَخْدِمُ المَلِكَ الجَبّارَ مَخافَةَ سَطْوَتِهِ أوْ يَخْدِمُ المَلِكَ الجَوادَ طَمَعًا في بِرِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ لَهم جَزاءَ فِعْلِهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
يَعْنِي مِمّا تَقَرُّ العَيْنُ عِنْدَهُ ولا تَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ، يُقالُ: إنَّ هَذا لا يَدْخُلُ في عَيْنِي، يَعْنِي عَيْنِي تَطَلَّعُ إلى غَيْرِهِ، فَإذا لَمْ يَبْقَ تَطَلُّعٌ لِلْعَيْنِ إلى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَبْقَ لِلْعَيْنٍ مَسْرَحٌ إلى غَيْرِهِ فَتَقَرُّ جَزاءً بِحُكْمِ الوَعْدِ، وهَذا فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ مِنَ العَبْدِ شَيْئًا وهو العَمَلُ الصّالِحُ، ومِنَ اللَّهِ أشْياءُ سابِقَةٌ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ وغَيْرِهِما وأشْياءُ لاحِقَةٌ مِنَ الثَّوابِ والإكْرامِ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ: جَزاءُ الإحْسانِ إحْسانٌ، وأنا أحْسَنْتُ أوَّلًا والعَبْدُ أحْسَنَ في مُقابَلَتِهِ، فالثَّوابُ تَفَضُّلٌ ومِنحَةٌ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: جَعَلْتُ الأوَّلَ تَفَضُّلًا لا أطْلُبُ عَلَيْهِ جَزاءً، فَإذا أتى العَبْدُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأنِّي أبْرَأْتُهُ مِمّا عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، فَكانَ هو آتِيًا بِالحَسَنَةِ ابْتِداءً، وجَزاءُ الإحْسانِ إحْسانٌ، فَأجْعَلُ الثَّوابَ جَزاءً، كِلاهُما جائِزٌ، لَكِنَّ غايَةَ الكَرَمِ أنْ يَجْعَلَ الأوَّلَ هِبَةً ويَجْعَلَ الثّانِيَ مُقابِلًا وعِوَضًا؛ لِأنَّ العَبْدَ ضَعِيفٌ لَوْ قِيلَ لَهُ بِأنَّ فِعْلَكَ جَزاءٌ فَلا تَسْتَحِقُّ جَزاءً، وإنَّما اللَّهُ يَتَفَضَّلُ، يَثِقُ ولَكِنْ لا يَطْمَئِنُ قَلْبُهُ.
وإذا قِيلَ لَهُ: الأوَّلُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْكَ والَّذِي أتَيْتَ بِهِ أنْتَ بِهِ بادٍ، ولَكَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ ثَوابٍ يَثِقُ ويَطْمَئِنُ، ثُمَّ إذا عَرَفَ أنَّ هَذا مِن فَضْلِ اللَّهِ فالواجِبُ مِن جانِبِ العَبْدِ أنْ يَقُولَ: فِعْلِي جَزاءُ نِعَمِ اللَّهِ السّابِقَةِ ولا أسْتَحِقُّ بِهِ جَزاءً، فَإذا أثابَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: الَّذِي أتَيْتُ بِهِ كانَ جَزاءً، وهَذا ابْتِداءُ إحْسانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَسْتَحِقُّ حَمْدًا وشُكْرًا فَيَأْتِي بِحَسَنَةٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي أحْسَنْتُ إلَيْهِ جَزاءَ فِعْلِهِ الأوَّلِ وما فَعَلْتُ أوَّلًا لا أطْلُبُ لَهُ جَزاءً فَيُجازِيهِ ثالِثًا فَيَشْكُرُ العَبْدَ ثالِثًا فَيُجازِيهِ رابِعًا، وعَلى هَذا لا تَنْقَطِعُ المُعامَلَةُ بَيْنَ العَبْدِ والرَّبِّ، ومِثْلُهُ في الشّاهِدِ اثْنانِ تَحابّا فَأهْدى أحَدُهُما إلى الآخَرِ هَدِيَّةً ونَسِيَها، والمُهْدى إلَيْهِ يَتَذَكَّرُها فَأهْدى إلى المُهْدِي عِوَضًا فَرَآهُ المُهْدِي الأوَّلُ ابْتِداءً لِنِسْيانِهِ ما أهْداهُ إلَيْهِ فَجازاهُ بِهَدِيَّةٍ فَقالَ المُحِبُّ الآخَرُ: ما أهْدَيْتُهُ